تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل الجاحظ ( الرسائل الأدبية ) — صفحة 435

مساهمون:

ص٤٣٥
يعلم مكينا مما لا يعلم معتقدا ، وما المستغلق الذي يجوز أن يفارقه استغلاقه والمستبهم الذي لا يفارقه استبهامه ، ومن هو طائر مع العوام حيث طارت وساقط معها حيث سقطت مع الزراية عليها والرغبة عنها ، قد ظلمها بفضل ظلمه لنفسه وجرى معها بقدر مناسبتها القدرة . فاعرف الجنس من الصنف والقسم من النصف ، وفرق ما بين الذم واللوم ، وفصل ما بين الحمد والشكر وحد الاختيار من الإمكان والاضطرار من الايجاب . وسنعرفك من جملة ما ذكرنا بابا أنت إليه أحوج وهو علينا أردّ . اعلم أن الحسد اسم لما فضل عن المنافسة ، كما أن الجبن اسم لما فضل عن التوقي والبخل اسم لما قصر عن الاقتصاد ، والسّرف ما جاوز الجود . وأنت جعلت فداك لا تعرف هذا ولو أدخلتك الكير ونفخت عليك إلى يوم ينفخ في الصور . وهل في الأرض إقرار أثبت أو دليل أوضح أو شاهد أصدق من شاهدي على ما ادعيت لنفسك من الرفعة مع ما ظهر من حسدك لأهل الضعة ؟ وهل تكون بعد ذلك إلا فاسد الحس ظاهر العنود أو جاهلا بالمحال . . ! ؟ وبعد فأنت أبقاك اللّه في يدك قياس لا ينكسر ، وجواب لا ينقطع ، ولك حد لا يفل ، وغرب لا ينثني . وهو قياسك الذي إليه تنسب ومذهبك الذي إليه تذهب ، أن تقول : وما عليّ أن يراني الناس عريضا وأكون في حكمهم غليظا وأنا عند اللّه طويل جميل وفي الحقيقة مقدود رشيق ! فقد علموا حفظك اللّه أن لك مع طول الباد راكبا طول الظهر جالسا ، ولكن بينهم فيك إذا قمت اختلاف ، وعليك لهم إذا اضطجعت مسائل . ومن غريب ما أعطيت وبديع ما أوتيت أنا لم نر مقدودا واسع الجفرة غيرك ، ولا رشيقا مستفيض الخاصرة سواك ! فأنت المديد ، وأنت البسيط ، وأنت الطويل ، وأنت المتقارب . فيا شعرا جمع الأعاريض ويا شخصا جمع الاستدارة والطول ! بل ما يهمك