تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل الجاحظ ( الرسائل الأدبية ) — صفحة 439

مساهمون:

ص٤٣٩
ولم يقل : الطويلة . وقال :
ولا تحسداني بارك اللّه فيكما * على الأرض ذات العرض أن توسعا
وقال الراجز :
تقطع أرضا وتلاقي أرضا * إنّ البلاد غلبتني عرضا
ولم يقل : طولا . وقلت : لولا فضيلة العرض على الطول لما وصف اللّه الجنة بالعرض دون الطول حيث يقول جل ثناؤه :
وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ
. فهذه براهينك الواضحة ودلائلك الظاهرة ، ولو لم يكن فيك من الرضا والتسليم ومن القناعة والإخلاص إلا أنك ترى أن ما عند اللّه خير لك مما عند الناس ، وأن الطول الخفي أحب إليك من الطول الظاهر ، لكان في ذلك ما يقضي لك بالإنصاف ويحكم لك بالتوفيق . وأنا أبقاك اللّه أتعشق إنصافك كما أتعشق المرأة الحسناء ، وأتعلم خضوعك للحق كما أتعلم التفقه في الدين ، ولربما ظننت أن جورك إنصاف قوم آخرين ، وأن تعقدك سماح رجال منصفين ، وما أظنك صرت إلى معارضة الحجة بالشبهة ومقابلة الاختيار بالاضطرار واليقين بالشك واليقظة بالحلم ، إلا للذي خصصت به من إيثار الحق وألهمته من فضيلة الإنصاف ، حتى صرت أحوج ما تكون إلى الإنكار أذعن ما تكون بالإقرار ، وأشد ما تكون إلى الحيلة فقرا أشد ما تكون للحجة طلبا ، إلا أن ذلك بطرف ساكن وصوت خافض وقلب جامع وجأش رابط وبنية حسنة وإرادة تامة مع غفلة كريم وفطنة عليم ! إن انقطع خصمك تغافلت ، وإن خرق ترفقت ، غير منخوب ولا متشعب ولا مدخول ولا مشترك ولا ناقص النفس ولا واهن العزم ولا حسود ولا منافس ولا مغالب ولا معاقب ، تفل الحز وتصيب المفصل وتقرب البعيد وتظهر الخفي وتميز الملتبس وتخلص المشكل ، وتعطي المعنى حقه من اللفظ كما تعطي
رسائل الجاحظ ( الرسائل الأدبية ) — صفحة 439 | الجاحظ / علي أبو ملحم