تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل الجاحظ ( الرسائل الأدبية ) — صفحة 434

مساهمون:

ص٤٣٤
الأحدوثة ، والصنيعة المشكورة ، وأن هذه الأمور هي خصائصك التي بها تكلف ، ومعانيك التي بها تلهج ، وإنما يحسد أبقاك اللّه المرء شقيقه في النسب ، وشفيعه في الصناعة ، ونظيره في الجوار ، على طارف قدره أو تالد حظه ، أو على كرم في أصل تركيبه ومجاري أعراقه وأنت تزعم أن هذه المعاني خالصة لك مقصورة عليك ، وأنها لا تليق إلا بك ولا تحسن إلا فيك ، وأن لك الكل وللناس البعض ، وأن لك الصافي ولهم المشوب . هذا سوى الغريب الذي لا نعرفه ، والبديع الذي لا نبلغه . فما هذا الغيظ الذي أنضجك ، وما هذا الحسد الذي أكمدك ، وما هذا الإطراق الذي قد اعتراك ، وما هذا الهم الذي قد أضناك ؟ وهل رأيت أخسر صفقة ولا أوهن قوة ممن يجري العتاق مع الكوادن ، والروائع مع الحواسر ، وممن حاكم من يسالمه ، وجاذب من يقلده ؟ وهل رأيت مكينا يقلق ومصنوعا له يسخط ، وهل زدت على أن أطمعت في نفسك ومكنت للشبهة في أمرك ، وأنشأت للخامل ذكرا وللوضيع قدرا ؟ إنك لا تعرف الأمور ما لم تعرف أشباهها ، ولا عواقبها ما لم تعرف أقدارها ولن يعرف الحق من يجهل الباطل ، ولا يعرف الخطأ من يجهل الصواب ، ولا يعرف الموارد من يجهل المصادر ! فانظر لم تسالمت النفوس مع تفاوت منازلها ، ولم تجاذبت عند تقارب مراتبها ، ولم اختلف الكثير واتفق القليل ، ولم كانت الكثرة علة للتخاذل والقلة سببا للتناصر . وما فرق ما بين المجاراة والتحاسد وبين المنافسة والتغالب ؟ فإنك متى عرفت ذلك استرحت منا ورجونا أن نستريح منك ، وكيف يعرف السبب من يجهل المسبب ، وكيف يعرف الوصل من يجهل الفصل وكيف يعرف الحدود من لم يسمع الفصول ، وكيف يعرف الحجة من الشبهة والعذر من الحيلة والواجب من الممكن والغفل من الموسوم والمعقول من الموهوم ، والمحال من الصحيح والأسرار المجهولة من ذوات الدلائل الخفية ، وما يعلم ما لا يعلم وما يعلم باللفظ دون الإشارة مما لا يعلم إلا بالإشارة دون اللفظ ، وما يعلم معتقدا مما لا يعلم مكينا وما