تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل الجاحظ ( الرسائل الأدبية ) — صفحة 153

مساهمون:

ص١٥٣
وبطن القرطاس خير من ظهره ، وبطن الصّحيفة موضع النّفع منها لا ظهرها ، وببطن القلم يكتب لا بظهره ، وببطن السّكّين يقطع لا بظهرها . وخلق اللّه جلّ وعزّ آدم من طين ، ونسله من بطن حوّاء . ورأينا أكثر المنافع من الأغذية في البطون لا في الظّهور ؛ فبطون البقر أطيب من ظهورها ، وبطن الشّاة كذلك . ومن أفضل صفات عليّ رضي اللّه عنه أن كان أخمص بطينا . وأسمع من غنائهم :
بطني على بطنك يا جاريه * لا نمطا نبغي ولا باريه
ولم يقل « ظهري على ظهرك » ، فجعل مماسّة البطن غانيا عن الوطاء ، كافيا من الغطاء . ولو لم يكن في البطن من الفضيلة إلّا أنّ الوجه الحسن ، والمنظر الأنيق من حيّزه ، وفي الظهر من العيب ، إلّا أنّ الدّبر في جانبه ، لكان فيها أوضح الأدلة على كرم البطن ولؤم الظهر . ولم نرهم وصفوا الرجل بالفحولة والشّجاعة إلّا من تلقائه ، وبالخبث والأبنة إلّا من ظهره . وإذا وصفوا الشّجاع قالوا : مرّ فلان قدما ، وإذا وصفوا الجبان قالوا : ولّى مدبرا . ولشتّان بين الوصفين : بين من يلقى الحرب بوجهه وبين من يلقاه بقفاه ، وبين الناكح والمنكوح ، والراكب والمركوب ، والفاعل والمفعول ، والآتي والمأتيّ ، والأسفل والأعلى ، والزائر والمزور ، والقاهر والمقهور . ولمّا رأينا الكنوز العاديّة والذّخائر النفسية ، والجواهر الثّمينة مثل الدّرّ