[ 2 - الجاحظ يرجو الهداية لصاحب الكتاب ]
فبادرت بكتابي هذا ، منبّها لك من سنة رقدتك ، وداعيا إلى رشدك .
فإنّك تعلم - وإن كنت لي في مذهبي مخالفا ، وفي اعتقادي مباينا - أنّ اجتماع المتباينين فيما يقع بصلاحهما أولى في حكم العقل ، وطريق المعرفة [ منه ] فيما أبادهما ، وعاد بالضّرر في اختيارهما عليهما .
وأنا ، وإن كنت كشفت لك قناع الخلاف ، وأبديت مكنون الضّمير بالمضادّة ، وجاهدتني بنصرة الرّأي والعقيدة في حبّ الظّهور ، وتلفيق الفضائل لها ، غير مستشعر لليأس من رجعتك ، ولا شاكّ في لطائف حكمتك ، وغوامض فطنتك .
وقد أعلم أنّ معك - بحمد اللّه - بصيرة المعتبرين ، وتمييز الموفّقين وأنّك إذا أنعمت فكرا وبحثا ونظرا ، رجعت إلى أصل قويّ الانقياد والموافقة ، ولم تتورّط في اللّجاج فعل المعجبين ، ولم يتداخلك غرّة المنتحلين ؛ فإنّا رأينا قوما انتحلوا الحكمة وليسوا من أهلها ، بل هم أعلام الدّعوى ، وحلفاء الجهالة ، وأتباع الخطأ ، وشيع الضّلالة ، وخول النّقص ، الذين قامت عليهم الحجّة بما نحلوه أنفسهم من اسمها ، وسلبوه من فهم عظيم قدرها ومعرفة جليل خطرها ، ولم يجلوا الرّين عن قلوبهم والصّدأ عن أسماعهم ، بالتنقير والبحث والتكشّف ، ولم ينصبوا في عقولهم لأنفسهم أصلا يئلون في اعتقادهم عليه ، ويرجعون عند الحيرة في اختلاف آرائهم إليه .
فضلّوا ، وأصبح الجهل لهم إماما ، والسّفهاء لهم قادة وأعلاما .
ونحن نسأل اللّه بحوله وطوله ومنّه ، ألّا يجعلك من أهل هذه الصّفة ، وأن يريك الحقّ حقّا فتتبعه ، والباطل باطلا فتجتنبه ، وأن يعمّنا ببركة هذا الدعاء ، وجماعة المسلمين ، وأن يأخذ [ إلى ] الخير بنواصينا ، ويجمع على