تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل الجاحظ ( الرسائل الأدبية ) — صفحة 151

مساهمون:

ص١٥١
الهدى قلوبنا ، ويؤلف فيه ذات بيننا ، فإنّك ما علمت - وأتقلّد في ذلك أمانة القول - ممّن أحبّ موافقته ومخالطته ، وأن يكون في فضله مقدّما ، وعن كلّ عضيهة منزّها . وما أعلم حالا أنا عليها في الرّغبة لك فيما أرغب لنفسي فيه ، والسّرور بتكامل أحوالك ، واستواء مذهبك ، وما أزابن به من إرشادك ونصيحتك ، وتسديدك وتوفيقك ، إلّا وصدق الطويّة منّي فيها أبلغ من إسهامي في فضل صفتها . واللّه تعالى المعين والمؤيّد والموفّق ، والمبدع ، وحده لا شريك له . والحمد للّه ، كما هو أهله ، وصلى اللّه على محمد وآله وسلم كثيرا .

[ 3 - الشريعة تنهى عن الظهور ]

يا أخي - أرشدك اللّه - إنّك أغرقت في مدح الظّهر من الجهة التي كان ينبغي لك أن [ تذمّها ، وقدّمتها من الجهة التي ينبغي لك أن ] تؤخّرها . وآثرتها وهي محقوقة بأن ترفضها . وما رأينا هلاك الأمم الخالية ، من قوم لوط ، وثمود وأشياعهم وأتباعهم ، وحلول الخسف والرّجفة والآيات المثلات والعذاب الأليم والرّيح العقيم ، والغير والنّكير ووجوب نار السّعير ، إلّا بما دانوا به من اختيار الظّهور . قال اللّه تعالى ، في قصّة لوط :
أَ تَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ الْعالَمِينَ . وَتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ
. فذمّهم اللّه - تبارك وتعالى - كما ترى ، وبلغ بهم في ذكر ما استعظم من عتوّهم إلى غاية لا تدرك صفتها ، ولا يوقف على حدّها مع آي كثيرة قد أنزلها فيهم ، وقصص طويلة قد أنبأ بها عنهم ، وروايات كثيرة أثرها فيمن كان من طبقتهم .