تقرّب به إليه جزاء أو شكورا .
ثم لعلّه ينكفئ إلى الذي اغتابه وقصبه من ساعته ويومه ، فيعطيه في عدوّه الذي اغتابه عنده أيضا مثل ذلك وأكثر منه ، لا لعلّه أيضا ولا مرفق ولا ربح أكثر من الذّلّة التي يجدها في نفسه ، والضّعف في منّته ، كما يعظّم الغنيّ بغير ثمن ، ويحتقر الفقير بغير سبب ، فمتى كوشف أو عوتب لبسته ذلة أخرى من الكظّة بالمعاذر الكاذبة ، والاعتصام بالأيمان الفاجرة . ومن كانت هذه دربته فهو حريّ أن يطّلع على دخلة أمره ، فلا يقبل منه عذر ، ولا يصدّق في قول ولا حلف ، وقد تسربل الذّلّة ، وتدرّع الخضوع .
وليس من سوس النفس الكريمة الشّهمة ، أن تلقى الناس بخلاف ما يتخلّقون به ما لم تأت ضرورة يحتاج فيها إلى كيد وغيلة ، أو مكر وحيلة ، ويثار بالغيبة فيها الرأي الأصيل من مكانه ، فيفعل ذلك العاقل فيما يحلّ له ويحسن به ، بعد أن تعييه الحيلة في استصلاح ذلك العدوّ بالرفق والملاينة .
وإنما قيل : « قلّ من اعتذر إلّا كذب » ، لكثرة النّطف في الناس وضعف أنفسهم على الإقرار بالذّنب ، فلا ذلّة الضّعف الثاني في الاعتذار نهت عن كلفة الضّعف الأوّل في الاغتياب ، ولا كلفة الضّعف الأوّل صانت عن ذلّة الضّعف الثاني .
وعلى أنّ أكثر من يعتذر إليه بقابل للعذر على حقيقة وإن أظهر القبول ، لما جرّب من سخاء النّاس بالأيمان ، وبعدهما من الإقرار بالذنب ما لم تأت حجة واضحة ، ودليل شاهد عدل .
وإذا كانت هذه سبيل المعتذر إليه فيحقّ على المعتذر - إن كانت في نفسه قيمة - أن لا يعتذر إلّا من يحبّ أن يجد له عذرا ، ولا يعجل إلى المين وهو لا يجد للحجّة مكانا .
رسائل الجاحظ ( الرسائل الأدبية ) — صفحة 106
مساهمون: الجاحظ
ص١٠٦