تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل الجاحظ ( الرسائل الأدبية ) — صفحة 105

مساهمون:

ص١٠٥
ومرّ هشام بن عبد الملك ببعض أهل الكلفة والفضول ، وعليه حلّة ذيّالة يسحبها في التّراب ، فقال له المتكلف : يا هذا ، إنّك قد أفسدت ثوبك . قال : وما يضرّك من ذلك ؟ قال : ليتك ألقيته في النار . قال : وما ينفعك من ذلك ؟ فأفحمه غاية الإفحام . ولو تهيّأ للمتكلّفين في كل وقت مثل صرامة هشام لازدجر من به حياء منهم ، ولقلّت الفضول والكلف والغيبة .

[ 11 - عودة إلى الغيبة ]

قالوا : وليس من أحد أذلّ من مغتاب ، لأنّه يخفى شخصه ، ويطامن حسّه ، ويغضّ من صوته ، ولا يزيد بما يناله من ذلك إلّا بأن يرفع من قدر خصمه ويعظّم من شأنه . قال معاوية : أتدري من النبيل ؟ هو الذي إذا رأيته هبته ، وإذا غاب عنك اغتبته . وهي لعمري سبيل العظماء عند العوامّ ، والملوك عند الرعيّة ، والسّادة عند العبيد . فلم يأخذ المغتاب ممن اغتابه شيئا بعضيهته إيّاه إلّا والذي أعطى من الهيبة عند حضوره أكثر منه . ولو كان المغتاب لا يستتر من الغيبة إلا ممّن يخاف سطوته ، كان أعذر . ولكن اللّؤم المتمكّن منه يحمله على اغتياب عبده وأمته ، فضلا عن كفئه ونظيره . ويغتاب الرجل عند عدوّه والمشاحن له ، مساعدة له بالسّخف ، وتقرّبا إليه بالمهانة والضّعف ، من غير أن يكون له عليه طول ، أو يلتمس منه على ما