تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل الجاحظ ( الرسائل الأدبية ) — صفحة 109

مساهمون:

ص١٠٩
فإن شئت أدلى فيكما غير واحد * مجاهرة أو قال عندي في سرّ فإن أنا لم آمر ولم أنه عنكما * ضحكت له حتى يلجّ ويستشري
وقالت العرب : « من كفي شرّ لقلقه وذبذبه وقبقبه فقد كفي الشرّ » . وهذا باب لولا أن نشغل القارئ لهذا الكتاب بغير ما قصدنا إليه وعزمنا عليه لأتينا عليه . وهو كثير موجود لمن طلبه ، وجملة واحدة فيها كفاية ، فإنّما تختلف الألفاظ التي تجعل كسوة لتلك المعاني . وإلّا فإنّك إذا نظرت إلى جميع شرور الدّنيا وجدت أوّلها كلمة عارت فجنت حربا عوانا ، كحرب بكر وتغلب ابني وائل ، وعبس وذبيان ابني بغيض ، والأوس والخزرج ابني قيلة ، والفجار الأول والثاني ، وعامّة حروب العرب والعجم . وإذا تأمّلت أخبار الماضين لم تحص عدد من قتله لسانه وكان هلاكه في كلمة بدرت منه . وليس العجب ممن أفضى بسرّه إلى من ليس له بموضع ، ممّن تقدّمت معرفته وزالت الشّكوك عنه في أمره ، ولكنّ العجب عين العجب ممن استنام بسرّه إلى من لم تقدم معرفته ومن أنس إليه عن اللّقاءة واللّقاءتين ، دون معرفة العين والاسم ، والسّبب والنّسب ، فانخدع في أوّل وهلة وغبن عقله قبل أن يغبن دينه وماله ، وتضاعفت عليه البليّة بطول الحسرة ، فإنّ البلاء عارض ومكتسب ، فكان العارض السّماويّ وما خوّلته الأقدار سرّا بعد اجتهاد صاحبه رأيه ، وحيلته في طلب الخير . وصواب تدبيره فيه أسهل وأيسر على العاقل المعتاد للصواب ، وإن كان كل مكروه مرّا بشعا . وإنّما الكرب اللازم والداء العياء ما اجتمع على صاحبه مع الفجيعة والحاجة ، والنّقص والذّلّة ، غمّ النّدامة والأسف على ما فرط منه ، إذ كان الجاني على نفسه بيده . ولهذا الكلام نظر نكره التطويل به ، والمعنى واحد ، وإنّما نحتاج من
رسائل الجاحظ ( الرسائل الأدبية ) — صفحة 109 | الجاحظ / علي أبو ملحم