يخلق مذاقا أحلى من العدل ، ولا أروح على القلوب من الإنصاف ، ولا أمرّ من الظّلم ، ولا أبشع من الجور .
وقال بعض المتقدّمين : « إنما يعرف الظّلم من حكم به عليه » . ومن استعمل العدل دلّه على أنّ النّاس يجدون من طعمه وطعم الظلم إذا فعله بهم مثل الذي يجد إذا ظلم ، فكره لهم ما كره لنفسه ، فأنصف ولم يظلم .
ويتظالم الناس فيما بينهم بالشّره والحرص المركّب في أخلاقهم ، فلذلك احتاجوا إلى الحكّام - وقد أطلق لهم تصريف أخلاقهم وأماناتهم - التي ردّت إليهم بالأحكام فيها ، ما جنايته عليهم أكثر مما يطالبهم به الخصوم .
وقال بعض الحكماء : إنّ من أصعب الأعمال إنصافك في نفسك ، ومواساتك أخاك في مالك ، وذكر اللّه . أما إنّي لا أعنى قول سبحان اللّه ، والحمد للّه ، ولا إله إلّا اللّه ، واللّه أكبر - وإنّ ذلك لمن ذكر اللّه - ولكن ذكره عنده ما يعرض من الأمور ، فإن كان طاعة للّه فعلته ، وإن كان معصية للّه اجتنبته .
وروى عن بعضهم أنه قال : « ثلاثة في ظلّ عرش اللّه يوم لا ظلّ إلّا ظلّه : رجل لم يعب أخاه بعيب فيه مثله حتّى يصلح ذلك العيب من نفسه ، فإنّه لا يصلحه حتى يهجم على آخر ، فتشغله عيوبه عن عيوب الناس . ورجل لم يقدّم يدا ولا رجلا حتى يعلم : أفي طاعة اللّه هو أم في معصيته ؟ ورجل لم يلتمس من الناس إلّا مثل ما يعطيهم من نفسه . أما تحبون أن تنصفوا » .
وقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « رحم اللّه عبدا أنفق الفضل من ماله وأمسك الفضل من قوله ، وشغله عيبه عن عيوب الناس » .
وقال عيسى بن مريم : « يا بني إسرائيل أيرى أحدكم القذاة في عين أخيه ويغبى عن الجذع المعترض في عينه » .
رسائل الجاحظ ( الرسائل الأدبية ) — صفحة 103
مساهمون: الجاحظ
ص١٠٣