وبالغت في الظلم والإيذاء رأيت قتلها حسنا فترقبتها يوما كانت في صحن الدار ، فأخذت تفنكة « 1 » وقابلتها بها وقصدت إخراجها ، فلما تفطنت بذلك هربت وغابت مدة طويلة واسترحنا من شرّها ، فبينما أنا نائم في يوم في الحجرة التي كان فيها كتبي ، إذا بصوت هذه الهرة وصياحها بنحو يتبين منه استغاثتها والتجاها فانتبهت مذعورا وإذا بها قد دخلت تلك الحجرة وصعدت الرازونة التي كان فوق الكتب التي فيها القرآن الكريم ، ووضعت يديها فوقه كالمتوسل به وهي تنظر إليّ وتصيح ، فلما تأملت في حالها ودخولها ووضع يديها فوق القرآن واستغاثتها عرفت أنها استشفعت بالقرآن فقلت : قد عرفت مقصدك وقبلت استقالتك وشفاعة شفيعك بشرط أن تتوب من صيد فراخ الحمام ، فنزلت وتردّدت في الدار كما كانت في السابق ولم تقرب إلى فراخ الحمام أبدا .
دعاء الطائر الرومي
روى ابن بشكوال « 2 » بسنده إلى أحمد بن محمد العطار عن أبيه قال :
كان لنا جار فأسر وأقام في الأسر عشرين سنة ، وآيس أن يرى أهله قال : فبينما أنا ذات ليلة أفكر فيمن خلفت من صبياني وأبكي إذ أنا بطائر سقط فوق حائط السجن يدعو بهذا الدعاء ، قال : فتعلمته من الطائر ثم دعوت اللّه به ثلاث ليال متتابعات ثم نمت ، فما استيقظت إلا وأنا في بلدي فوق سطح داري ، قال :
فنزلت إلى عيالي فسرّوا بي بعد أن فزعوا مني لما رأوني ورأوا ما بي من تغير الحال والهيئة ، ثم إني حججت من عامي فبينما أنا أطوف وأدعو بهذا الدعاء إذ أنا بشيخ قد ضرب يده على يدي ، وقال لي : من أين لك هذا الدعاء فإن هذا لا يدعو به إلا طائر ببلاد الروم متعلق بالهواء ؟ فحدثته بقصتي وبما جرى عليّ وإني كنت أسيرا ببلاد الروم وتعلمت الدعاء من الطائر ، فقال : صدقت فسألت
هامش
( 1 ) معرب « تفنگ » ( كذا في الهامش ) .
( 2 ) هو أبو القاسم خلف بن عبد الملك بن مسعود ابن بشكوال الخزرجي الأنصاري القرطبي كان من علماء اندلس توفي فيه سنة 578 . له كتب منها كتاب المستغيثين باللّه ولعل المؤلف ( رحمه اللّه ) نقل هذا الحديث من ذلك الكتاب وحكى عنه المحدث القمي ( رحمه اللّه ) في الكنى والألقاب بعض القصص العجيبة فراجع إن شئت .