وسلاطينهم وأمرائهم ، وقادة الجيوش وأمراء الحروب وهم إليها أحوج وبهم أليق لأن نفوسهم سبعية ولو كانت أجسادهم بشرية وصورهم آدمية ، فأما مجالس العلماء والفقهاء والفلاسفة والحكماء وأهل الرأي والعقل والفكر والتميز والروية فإن أخلاقهم وسجاياهم هي بأخلاق الملكية أشبه الذين هم سكان السماوات وملوك الأفلاك وجنود رب العالمين ، قال النمر : صدقت فيما قلت ، ولكني أرى العلماء والفقهاء والقضاة من بني آدم قد تركوا هذه الطريقة التي قلت أنها أخلاق الملائكة ، وأخذوا في ضرب من أخلاق الشياطين من المكاثرة والمغالبة والغضب والعداوة والبغضة فيما يتناظرون فيه ويحاولون من الصياح والجلبة والشناعة ، وهكذا نجد منهم في مجالس القضاة والحكام يفعلون ما ذكرت ويتركون استعمال الأدب والنصفة ، قال الملك : صدقت ولكن رسول الملك يجب أن يكون رجلا عاقلا حكيما خيرا فاضلا منصفا كريما لا يميل ولا يحيف في الأحكام ، إلى أن قال : فمن ترى يصلح لهذا الأمر ؟ فأشار إلى كليلة وهو ابن آوى « 1 » .
فقال الملك له : وهل تنشط فتمضي إلى هناك وتنوب عن الجماعة ولك الكرامة علينا إذا راجعت وأفلحت ؟ قال : سمعا وطاعة لأمر الملك ، ولكن لا أدري كيف أعمل وكيف أصنع مع كثرة أعدائي هناك من أبناء جنسنا قال الملك : من هم ؟ قال : الكلاب ، قال : ما لها ؟ قال : أليس قد استأمنت إلى بني آدم وصارت معينة لهم علينا معشر السباع ، قال الملك : فما الذي دعاها إلى ( ذلك ظ ) وحملها عليه حتى فارقت أبناء جنسها وصارت مع من لا يشاركها معينة لهم على أبناء جنسها ؟ فقال الدب : إنما دعى الكلاب إلى جوار بني آدم ومداخلتهم مشاكلة الطباع ومجانسة الأخلاق ، وما وجدت عندهم من المرغوبات واللذات في المأكولات والمشروبات وما في طباعها من الحس والشرة واللوم والبخل ، وما في جبلها من الأخلاق الذميمة الموجودة في بني آدم مما السباع عنه بمعزل ، وذلك أن الكلاب تأكل اللحمان ميتا وجيفا ومذبوحا
هامش
( 1 ) ابن آوى : ونوع من الكلاب البرية تسميه العامة الواوي ويقال له بالفارسية ( شغال ) .