ذلك ، ولا ينظر إلى ما ليس فيه بعض تلك المنافع ، فكذلك الإنسان لا بدّ وأن يقتصر من الدنيا ما يسدّ به خلته ، ويقوّي به جسده ، ويتوسل به إلى حجه وزيارته ، وينفق به خاصته ويتصدق به على قرابته وأحبته ، ويدخل الجميع في حقيقة الإنفاق في سبيل اللّه المرغب في الآيات والأخبار ، فإن الظاهر أن المقصود منه صرف المال وإخراجه عن نفسه على النحو الذي فيه رضاه تعالى ، سواء صرفه على نفسه أو على غيره ، لا الأخير خاصة ، وفي حقيقة الإمتاع في قوله تعالى :
فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ
إلى قوله :
مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ
، إذ ما سوى الموارد المذكورة مما يجمعه الإنسان لا يتمتع به حقيقة ، وإنما هو خازن فيه لغيره فمن تعلقت به العناية الإلهية وأريد تنبيهه وتعليمه ميزان الممدوح والمذموم من الدنيا إذا عكف عليها أو أخطأ في تشخيصها يرى تلك الرؤيا .
ويحتمل أن يكون المقصود فيها خصوصا الأخيرتين بيان الحق والعلوم النازلة من سماء الفيض الإلهي إلى أراضي النفوس الميتة فقد تقدم تأويل الحشيش بالأناسي في رؤياء النبي ( ص ) ويكون حالها كقوله تعالى :
أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ
بناء على تفسير الماء بالحق النازل من السماء والقلوب بالأودية والزبد بالأباطيل التي اجتمعت معه سواء كان منشأها الحق النازل كالمتشابهات التي يتبعها من في قلبه زيغ أو ما يلقيه الشيطان في قلبه معه من الوساوس والتأويلات الباطلة ، والشك الذي في قلبه ، كما ورد في الخبر في بقدرها ( كذا ) فذو اليقين على قدر يقينه ، وذو الشك على قدر شكه ، وتفصيل ذلك وتوضيح انطباقه مع الآيات يحتاج إلى بسط لا يقتضيه المقام .
والذي ينبغي التنبيه عليه أن المقصود من تلك الآيات وما يشبهها مما ذكر فيها الماء والنبات والزرع وحياة الأرض على اختلاف سياقها ومواردها ، زيادة على ما ذكرنا إثبات الصانع جلا وعلا وانحصار المؤثر فيه تعالى ورفع استبعاد