حالتي النوم واليقظة قد يكون ضعيفا فلا يحرك الخيال والذكر فلا يبقى له أثر ، وقد يكون أقوى من ذلك فيحرك الخيال ، إلا أن الخيال يعين في الانتقال ويحكي عن الصريح فلا يضبط الذكر ، بل إنما يضبط انتقالات المتخيل وحاكياته ، وقد يكون قويا جدا فيرسم فيه الصورة ارتساما قويا ولا يتشوّش بالانتقالات ، فما كان من الأثر الذي ذكرنا مضبوطا في الذكر في حالتي النوم واليقظة كان إلهاما أو وحيا صريحا أو حكما ، ولا يحتاج إلى تأويل ولا تعبير ، وما كان قد بطل هو وبقيت محاكياته فإنه يحتاج إليهما ، أما الوحي إلى التأويل وأما الرؤيا إلى التعبير ، هذا إذا لم يكن الرؤيا من أضغاث الأحلام التي يكون سببها أمزجة الأبدان وغلبة أحد الأخلاط وحديث النفس أو غير ذلك مما يخرج الرؤيا عن الحكم بصحتها ، وذكر مثل ذلك في إشاراته .
وقال شارح التلويحات في هذا المقام : أن الصورة السانحة إما أن تكون كلية أو جزئية فإن كانت كلية فإما أن تنطوي سريعا أو تثبت ، فالمتخيلة التي من شأنها المحاكاة تحاكي تلك المعاني الكلية المنطبعة في النفس بصور جزئية لم تنطبع تلك الصورة في الخيال ، وينتقل إلى الحس المشترك فتصير مشاهدة فإن كان المشاهد شديد المناسبة لما أدركته النفس من المعنى الكلي حتى لا يتفاوت بينهما إلا بالكلية والجزئية كانت الرؤيا غنيا عن التعبير وإن لم يكن كذلك فإن كان هناك مناسبة يمكن الوقوف عليها والتنبه لها كما إذا صوّر المعنى بصورة لازمة أو مما يضادها احتيج حينئذ إلى التعبير وفائدته التحليل ، وإن لم يكن هناك مناسبة على الوجه المذكور فتلك الرؤيا مما يعد أضغاث أحلام وإن كان الصورة التي أدركها النفس من المبادئ العالية جزئية فقد تثبت تلك الصورة وقد لا يثبت ، والثانية إن حفظها الحافظة على وجهها ولم يتصرف القوة المتخيلة المحاكية للأشياء بتمثيلها فيصدق هذه الرؤيا ولا يحتاج أيضا إلى تعبير ، وإن كان المتخيلة عالية وإدراك النفس للصور ضعيفا أسرعت المتخيلة إلى تبديل ما رأت النفس بمثال ، وربما نزلت ذلك المثال بآخر وهكذا إلى حين اليقظة أو الالتفات إلى معان آخر ، فإن انتهى إلى ما يمكن أن يعاد إليه بضرب من التهليل فهو رؤيا يفتقر إلى التعبير وإلا فهو من الأضغاث الأحلام أيضا ، إلى غير
دار السلام فيما يتعلق بالرؤيا والمنام — صفحة 344
مساهمون: ميرزا حسين النوري الطبرسي
ص٣٤٤