خاضوا في التعديل والتجوير « 1 » فخرج حتى صعد المنبر فحمد اللّه وأثنى عليه ثم قال : أيها الناس إن اللّه تبارك وتعالى لما خلق خلقه أراد أن يكونوا على آداب رفيعة وأخلاق شريفة ، فعلم أنهم لم يكونوا كذلك الإبان يعرفهم ما لهم وما عليهم والتعريف كما يكون إلا بالأمر والنهي ، والأمر والنهي لا يجتمعان إلا بالوعد والوعيد والوعد لا يكون إلا بالترغيب والوعيد لا يكون إلا بالترهيب والترغيب لا يكون إلا بما تشتهيه أنفسهم وتلذه أعينهم والترهيب لا يكون إلا بضد ذلك ، ثم خلقهم في داره وأراهم طرفا من اللذات ليستدلوا به على ما ورائهم من اللذات الخالصة التي لا يشوبها ألم وهي الجنة ، وأراهم طرفا من الآلام ليستدلوا به على ما ورائهم من الآلام الخالصة التي لا يشوبها لذة إلا وهي النار ، فمن أجل ذلك ترون نعيم الدنيا مخلوطا بمحنتها وسرورها ممزوجا بكدرها وغمومها « 2 » .
[ الأمر ] الرابع
أن يكون مخوفا ومحركا للإنسان إلى التضرع إلى مقدس حضرته ، وداعيا للهرب إلى منيع عقوته « 3 » فيظهر له بذلك آثار الذلة والمسكنة ، ويتحقق فيه علامات العبودية ، فإن الإنسان لتمكنه في غياهب الشهوات والأهواء ، وانغماره في بحار زخارف الدنيا ، لا ينهض إلى مقام التضرع والإنابة ومواقف الاستكانة والمسألة ما لم يكن له داعيا يشغله عن نيل مناه ، وصارفا عن اتباع هواه ، وهذه المؤذيات والشرور ادعى شيء للإعراض عن تلك الأمور وإدراك تلك الغايات فخلقتها حينئذ لطف يقرب إلى الطاعات قال تعالى :
فَأَخَذْناهُمْ بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ
، « وفي كتاب المؤمن » عن الصباح قال : قلت لأبي عبد اللّه ( ع ) : ما أصاب المؤمن من بلاء فبذنب ؟ قال : لا ، ولكن ليسمع
هامش
( 1 ) وفي المصدر ( التجريح ) بدل ( التجويز ) .
( 2 ) قيل : فحدث الجاحظ بهذا الحديث فقال : هو جماع الكلام الذي دونه الناس في كتبهم وتحاوروه بينهم ، قيل ثم سمع أبو علي الجبائي بذلك فقال : صدق الجاحظ هذا ما لا يحتمله الزيادة والنقصان .
( 3 ) العقوة ما حول الدار . الساحة والمحلة .