تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دار السلام فيما يتعلق بالرؤيا والمنام — صفحة 279

مساهمون:

ص٢٧٩

الثانية : [ في سرّ قلة تحفظ الناس ما يرونه في المنام ]

إن المشاهد بالوجدان قلة تحفظ الإنسان ما يراه أو يلقي إليه في النوم وإن كان في اليقظة حفيظا ذكورا ، ولعل سرّه قلة أنسه بذلك العالم ، وعدم ارتباط غير قلبه في بعض الأوقات به ، بخلاف ما في هذا العالم ، فإن تمام حواسه مشغولة به مسكونة إليه ، فما يرد عليه هنا مما أنس به فيتوجه إليه بتمام مشاعره ، فيستكن في مكنون خاطره ، بخلاف ما يلقى إليه من عالم غير مأنوس لا حظّ لحواسه الظاهرة التي لم يعهد منه اكتساب علم من غير طريقها ، وإنما يتلقاها قلبه الذي كان تمام همته في تلقي ما يرد عليه من مشاعره الظاهرة فلا يمكنه حفظه كما هو إلا بعد أنس تام . ووجه آخر هو سرعة زمان ما يرد عليه في النوم وعدم تكرّره ووروده ، بل يرد ويسمع أشياء في أقل ما يتصور من الزمان يحتاج الاطلاع إليها في اليقظة إلى زمان طويل ، بخلاف ما يقف عليه في اليقظة . ووجه آخر : هو أن يكون الحكمة الإلهية اقتضت محو ما رآه هناك خصوصا في الرؤيا المكروهة التي هي أسرع تأثيرا وتعبيرا من غيرها ، وذلك ليتمّ به نظام عيشه ولا يتطرق الخلل في أمور معاده ، كما مرّ من أنه تعالى يبعث ملكا ليمسح قلب أوجع أهل المصيبة لينسيه لوعة الحزن ، ولولا ذلك لم تعمل للدنيا . ووجه آخر : يمكن استظهاره مما في توحيد المفضل حيث قال ( ع ) : فكريا مفضل في الأحلام كيف دبّر الأمر فيها فخرج صادقها بكاذبها ، فإنه لو كانت كلها تصدق لكان الناس كلهم أنبياء ، ولو كانت كلها تكذب لم يكن فيها منفعة ، بل كانت فضلا لا معنى له فصارت تصدق أحيانا فينتفع بها الناس في مصلحة يهتدي إليها أو مضرة يتحذر منها ، وتكذب كثيرا لئلا يعتمد عليها كل الاعتماد ، فإن ما ذكره ( ع ) يأتي في إنساء بعض الصادقة أيضا خصوصا فيمن لم يأنس بالشيطان كثيرا . ووجه آخر : هو أن الغرض من تمكين الإنسان على الاطلاع على الأمور الغائبة فيه إمكانه وقابليته لذلك وتحريصه عليه وإذهابه عنه إشارة إلى تشويقه إليه