من أقسام ما يتخيله ما كان سببه والداعي إليه خاطرا يفعله اللّه ، إلا أن يكون مراده بالجهل هنا اعتقاد أن المسموع مرئي وإن كان أصله صحيحا .
وثالثا : أن النائم إن كان يسمع ما يتكلم الشيطان في داخل سمعه من الكلام الخفي وما يفعله اللّه به كذلك وملائكته بهذا السمع المحسوس والقوة المودعة فيه فهو خلاف الحس والوجدان ، فإنه بغلبة النوم يبطل ويتعطل عن إدراك الأصوات العالية فكيف بالنجوى والكلام الخفي وهو من جنس الأصوات المحسوسة وأحد مراتبها ، وإن كان من غير البشر كما صرّح به في غير موضع من كلامه وإن كان بسمع آخر وقوة غير قوته كما هو كذلك فإنه لا يسمع ما يتكلم عنده ويسمع في النوم أصواتا أشدّ من صوت الرعد بمراتب شتى ، فما المانع من احتمال وجود بصر وقوة باصرة له يرى بها الأشياء فيه ، وأيّ دليل دلّ على انحصار مشاهدة جميع الأشياء في جميع العوالم بالعين الظاهرة ، واتصال شعاعها وسائر ما ذكر في شرائط الأبصار مع وجود التخلف في أكثرها مع أن اللّه تعالى قد أخبر في قوله :
إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَراكَهُمْ كَثِيراً لَفَشِلْتُمْ
إنهم علموا بقتلهم من جهة الرؤية ، ولذا قال المفسرون : إذ يقللهم في عينك في منامك ، ولو كان من جهة السماع لكان التعبير عنه بالرؤية لزعمه الفاسد وهو في المقام غير معقول ، لكونه النبي ( ص ) مع أن التعبير بالواقع أولي مطلقا لتبيين فساد الجاهلين وإظهار حقيقته ، ثم كيف دعاه ما ذكر في شرائط الأبصار إلى إنكار الرؤية في النوم لتخلفها ولم ينكر السماع مع تخلف شروطه أيضا .
ورابعا : أن كون أكثر ما يراه أو يعتقده النائم جهلا لا يوجب الحكم كليا والكلام في الرؤيا الصالحة الصادقة ، وإلا فكون بعض ما يراه مما هو في حديث النفس وتركب المتخيلة الصور التي في حس المشترك مما لم ينكره أحد .
وخامسا : أن ما ذكره لا يلائم جميع ما مرّ من الدعوات والأعمال لرؤية النبي ( ص ) والأئمة ( صلوات اللّه عليهم ) وسائر الأموات والمنامات التي يبقى