والحاصل أن ما ينكشف للطوائف المذكورة ويخبرون به عن الغيب هو بعض الأمور الجزئية والحوادث اليومية مع التخلف في أغلب مواردها ، بل ومع انقطاع جملة منها بعد ولادة خاتم الأنبياء ( ع ) ، وفي الاحتجاج عن الصادق ( ع ) أنّ الكهانة كانت في الجاهلية في كل حين فترة من الرسل كان الكاهن بمنزلة الحاكم يحتكمون إليه فيما يشتبه عليهم من الأمور ، فيخبرهم بأشياء تحدث وذلك في وجوه شتّى من فراسة العين وذكاء القلب ووسوسة النفس وفطنة الروح مع قذف في قلبه لأنما يحدث في الأرض من الحوادث الظاهرة فذلك يعلم الشيطان ويؤديه إلى الكاهن ويخبره بما يحدث في المنازل والأطراف ، وأما أخبار السماء فإن الشياطين كانت تقعد مقاعد استراق السمع إذ ذاك وهي لا تحجب ولا ترجم بالنجوم ، وإنما منعت من استراق السمع لئلا يقع في الأرض سبب يشاكل الوحي من خبر السماء . ولبس « 1 » على أهل الأرض ما جاءهم عن اللّه لإثبات الحجة ونفي الشبه ، وكان الشيطان يسترق الكلمة الواحدة من خبر السماء بما يحدث من اللّه في خلقه فيختطفها ثم يهبطها إلى الأرض فيقذفها إلى الكاهن فإذا قد زاد كلمات من عنده فيختلط الحق بالباطل فما أصاب الكاهن من خبر مما كان يخبر به فهو مما أدّاه إليه شيطانه مما سمعه وما أخطأ فيه ، فهو من باطل ما زاد فيه فمنذ منعت الشياطين عن استراق السمع انقطعت الكهانة واليوم إنما تؤدي الشياطين إلى كهانها أخبارا للناس مما يتحدثون به وما يحدثونه والشياطين تؤدي إلى الشياطين ما يحدث في البعد من الحوادث من سارق سرق ومن قاتل قتل ومن غائب غاب وهم بمنزلة الناس أيضا صدوق وكذوب .
ومن جميع ذلك ظهر صحة ما قاله الرازي من أن الذي حمل هؤلاء الفلاسفة على ذكر هذه العلل والأسباب إطباقهم على إنكار الملائكة وعلى إنكار الجن ، قال : وقد بيّنا في كتاب الأرواح أنه ليس لهم شبهة ولا خيال يدلّ على نفي هذه الأشياء وإذا كان أصل هذه الأقوال نفي الملائكة والجن ، وقد عرفت أنه ليس لهم دليل وفرعه مما يوجب القول بالسفسطة كان هذه القول في
هامش
( 1 ) في المصدر : فيلبس .