أحرزها وجمعها من طرقها ، وردّ بعضها إلى بعض والانتقال من معنى وصورة إلى أخرى منها وقد كانت حاضرة عنده وإن لم يكن ملتفتا إليها لاشتغالها بما يتجدد منها في كل آن ، ولا يمكن إدراك شيئين مختلفين أو متفقين في زمان واحد في غير الحجج ( ع ) وقد مرّ في الفصل السابق قوله ( ع ) في أقسام الرؤيا :
والذي يحدث به الإنسان نفسه فيراه في منامه ( الخبر ) .
وقد ينتج من هذا الاشتغال أمور محققة ومطالب صادقة كما لو اشتغلت بالتوجه إلى المعاني الحقة والصورة الصادقة التي اكتسبها من أبوابها المندوبة إليها فينتقل منها إلى غيرها المجهول عندها ، وهذا في قليل ممن لم يتمكن ولم يعشّش في صدره الشيطان « 1 » ولم يلوّث علمه بالتخيلات الباطلة التي تجعل النفس حيران .
هذا كله في المؤمن السليم ، وأما إذا كان النائم ممن اتبع خطوات الشيطان وآنس به آناء الليل وأطراف النهار ، فيمر عليه إبليس وجنوده ويلقون إليه ما عندهم من الأباطيل المموهة بضغث من الحق ، والعلوم الحقة والأمور الصادقة من الماضية أو الموجودة ، فإنّ حاله مع الإنسان في النوم كحاله معه في اليقظة وقدرته عليه فيهما على حدّ سواء ، والذي يظهر من الأخبار ويؤيّدها الاعتبار أنه لا يوسوس أحدا من الأخيار والأشرار إلا بالتمويه والالتباس ، وإلقاء جملة من الأباطيل في ضمن حق صحيح وإيحاء كثير من الأكاذيب إليه تبعا لصدق صريح زعما منه كون ذلك أنفذ في القبول وأسرع في الإجابة ، « وفي الصحيفة » : فلو لا أن الشيطان يختدعهم عن طاعتك ما عصاك عاص ، ولولا أنه صوّر لهم الباطل في مثال الحق ما ضلّ عن طريقك ضالّ فإذا جاز أن يرى الإنسان في نومه أمورا متحققة لغايات فاسدة وأغراض باطلة ، وتتميز من غيرها بالرجوع إلى حالة النائم بعد نومه وملاحظة ما يلقى في قلبه أولا وشوقه في الطاعة كما تقدم عنهم أنه يعرض نفسه على كتاب اللّه فإن لم يكن عاملا به فما رآه من الشيطان ، وبالرجوع إلى ورعه واستعماله الآداب والسنن ، وذكر اللّه
هامش
( 1 ) من عشش الطائر : اتخذ عشا .