دائما في جلب الصور وكسب العلوم الجزئية ، وعرضها على النفس واستغراق وقتها في تمييز حق ما يرد عليها منها من باطله ، ومحبوبه من مبغوضه ، ومطلوبه من مهروبه ، فلا تنهز فرصة للتوجه إلى غيره من الطرق إلا قليلا من الناس الذين لا تشغلهم الحواس ، أو أعرضوا عنها بالمجاهدة أو الرياضات الحقة والباطلة ، فإنهم حينئذ يتمكنون من التلقي من سائر الأبواب المفتوحة عليهم فإن كانت حقة فمما يفيض عليه من اللّه تعالى وملائكته وكتبه المخزونة ، وإن كانت باطلة فمما يلقى إليه إبليس وجنوده كما قال تعالى :
شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً
، وقال تعالى :
هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كاذِبُونَ
.
وفي الكافي عن الجواد ( ع ) أنه ليس من يوم وليلة إلا وجميع الجن والشياطين تزور أئمة الضلال ، ويزور إمام الهدي عدوّهم من الملائكة ، حتى إذا أتت ليلة القدر فهبط فيها من الملائكة إلى أولي الأمر خلق اللّه أو قال قبض اللّه ( عزّ وجلّ ) من الشياطين بعددهم ، ثم زادوا إلى الضلالة فأتوه بالإفك والكذب حتى لعله يصبح ، فيقول : رأيت كذا وكذا فلو سأل أولي الأمر عن ذلك لقال : رأيت شيطانا أخبرك بكذا وكذا ، حتى يفسّر له تفسيرها ، ويعلمه الضلالة التي هو عليها وأما إذا بطلت الحواس بسبب النوم وانسدّت تلك الطريق على النفس لم يتولها عائقة تعوقها عن الأخذ عن غيرها من الطرق ، بل تتقوى في التوجه إليها والتلقي منها ، فإن كانت مطمئنة سليمة تمر به جنود الملائكة المطلعين على كثير من الأمور القادرين على إلقاء ما أذنوا في كشفها إليها بالتكلم والبيان ، أو بإراءة حقائقها الأصلية ، أو صورها الموجودة إياه ، أو برفع الحجاب بينه وبين المأذون في كشفه ، أو بتسييره إليها ، وهذا من خصائص النوم فإن له طرقا أخرى في استكشاف العلوم تختص به عوضا عن طرق الحواس الظاهرة المختصة باليقظان ظاهرة من الأخبار المؤيدة بالوجدان .
الأول : الإنسان قد يتحرك في النوم إلى بعض المواضع البعيدة إما ببدنه