الثانية [ : في أن المؤمن الراسخ في العلم والإيمان ترفع عنه الرؤيا ]
فيما تضمنه خبر تحف العقول والبصائر : من أن المؤمن إذا رسخ في العلم أو الإيمان رفعت عنه الرؤيا ، فإنه بظاهره يخالف الآية من أن المتقين يبشرون بها ، والأخبار المتقدمة والاعتبار من حيث أن قوة الإيمان توجب كثرة الاستئناس بسكان الملأ الأعلى ، وإذا ارتفع بالنوم ما كان يشغله عنهم لم يحجبه فيه عنهم شيء ، فكل ما يراه أو يلقى إليه صحيح لا عيب فيه .
ويمكن أن يدفع هذا الإشكال بوجوه :
الأول : إن المحتاج إلى الرؤيا الصحيحة والبشارة الحسنة هو الضعيف الذي لا يكون قابلا لإلقاء الخيرات والبشارات إليه من هذا العالم في حال اليقظة ، لكثرة تورطه واشتغاله بأمور الدنيا وشدة تقلب قلبه فيها ، فلا سكون فيه ولا توجه له إلى فوقه يتلقى به ما يلقى إليه في سرعة البرق الخاطف وأما المرتسخ في الإيمان فهو الذي انقطع جميع علائقه عن الدنيا وجسده مع الناس وروحه معلقة بالمحل الأعلى ، مترددة في مصاف الكروبيين ومجالس الروحانيين ، مترقبة لما يلقونه إليه ومنتظرة لنزول الحقائق واللطائف منهم عليه ، فلا يحتاج إلى ما هو بمنزلة البدل الضعيف عن هذا الأصل الشريف ، أيحتمل أن يكون من هو بحضرة أحد من أئمة الأنام ( ع ) محتاجا في بعض أموره إليه إلى لقائه في المنام ؟ أو من يشاهد عظمة سلطنة ملك عظيم الشأن أن يسمعها ممن حضر عنده في بعض الأزمان ؟ فإذا انفتح له باب معرفة مراداته ووصول هداياته إليه في اليقظة فلا حاجة له إلى الرؤيا لذلك وهذا معنى رفعها عنه .
الثاني : أن النفس متى استلذت برؤية بعض ما في عالم الغيب والسرور ، وكشفت عنها الحجب والستور ، تطمئن بجملتها إلى نحوه وتنزع كلية عمّن يصدّها عن طريقه ، فيهرب عن كل ما في هذا العالم وتوحّش عن مجالسة بني آدم ، ولا يأنس إلا باللّه تعالى وذكره ومشاهدة عجائب عوالم غيبه إلا الحجج الكاملين الذين عندهم الغيب والشهادة سواء ، ولا يشغلهم السرور