وصوته في السماء لا كفى قدره التي طبخها لإفطاره ليبلغ اللّه في المؤمن الغاية في اختبار إيمانه .
اعلم : إن اللّه تعالى بمنّه وجوده سلك بعبيده لتجزى كل نفس بما تسعى مسلكا لا يبقى لأحد بعده حجة عليه ولا عذر يعتذر منه إليه ، فأمال أوّلا طباعهم بحسب فطرتهم الأصلية والخلقة الأولية إلى ما ينفعهم ، ونفرهم عما يضرهم ويشترك معهم في هذا اللطف غيرهم من الحيوانات ، وربما يكون ذلك كسبيا حصل من العادات ، وهو أيضا داخل في أنواع اللطف والهدايات ، ثمّ أمرهم ثانيا بامتثال محبوباته ونهاهم عن اقتراف مبغوضاته وفصلهما على ألسن حججه وخلفائه ، ثمّ بيّن لهم ثالثا ما ادّخره للمطيعين من النعم والمثوبة ، وما أعدّه للعاصين من النّكال والنقمة ، ثمّ أراهم رابعا ما فعله بالمطيعين قبله ومعه ونفسه عاجلا من إنزال البركات عليهم ، أو إيصال الخيرات إليهم وبالعاصين من الانتقام بالبليات الطامة والأخذ الشديد في كرور الأيام منها قائم وحصيد ، وقد قرن المحق بالربا ، والفقر بالزنا ، والظلم بالفناء ، والزيادة بالبقاء ، والإجابة بالدعاء ، والعلم بالحياء ، والصدقة بالخلف ، والبخل بالتلف ، والفاقة بالسرف ، وغير ذلك مما قد سلف ، بل أرى الخلص الذين هذبوا الطريق وركبوا سفينة النجاة في هذا البحر العميق خير كل حسنة عند فعلها وشرّ كل مكروهة عند صدورها ، حتى جزاء ما قد يخطرونه بالبال ويطوف حوم الخيال ، ولما برز في قالب القول أو الفعال وبذلك كله يتمّ الحجة البالغة للّه تعالى على العباد ويتضح الحجة لأهل الشكر والعناد ، ويتميز الغي والضلال من الرشد والسداد ، فمن هلك هلك عن بينة واضحة ، ومن نجى نجى عن هداية عامة ، ويتبين تثبيت من أجاب داعي اللّه وبصيرته في ذلك ، ولا يقدر منكره أن يقول :
لولا أرسلت إلينا رسولا فنتّبع آياتك ولو شاء اللّه لهدى الناس أجمعين بقدرته الكاملة التي لا يعجز عنها شيء ، ولم يفعل لكونه خلاف الحكمة التي تصدر عنها أفعاله إذ به يتّحد العاصي والمطيع والداني والرفيع ، أو بأن يتعذّر لهم أسباب الخلاف والمعاصي أو لا ، كما قال أمير المؤمنين ( ع ) : « من العصمة تعذر المعاصي » وبعدم إحواجهم إليها لو وجدت ثانيا ، وبإيجاد مثلها من
دار السلام فيما يتعلق بالرؤيا والمنام — صفحة 193
مساهمون: ميرزا حسين النوري الطبرسي
ص١٩٣