ومنها : أن يكون ذلك سببا لزيادة علمهم وتكميل معرفتهم بخواص الأشياء ومنافعها الغير اللازم لهم في أول نبوتهم فكثيرا ما كانوا يبتلون بأنواع الأمراض والأوجاع ، فيوحى إليهم كيفية علاجها بأقسام الدواء والأوراد ، ويترتب على ذلك جملة من الفوائد .
ومنها : أن يكونوا سلوة للمبتلين وأسوة لهم في حياتهم وبعد وفاتهم فيشتركوا بذلك معهم في كل ما يصل إليهم من الفيوضات بسبب صبرهم عليها ، وإلى ذلك أشار أمير المؤمنين ( ع ) بقوله كما في النهج : « أن اللّه فرض على أئمة العدل أن يقدروا أنفسهم بضعفة الناس كيلا يتبيغ بالفقير فقره » « 1 » وفيه : « وأقنع من نفسي بأن يقال أمير المؤمنين ولا أشاركهم في مكاره الدهر » « وفي رجال الكشي » عن الصادق ( ع ) أنّه قال لمحمد بن مسلم : لما شكى إليه الاغتراب وبعد الشقة : وأما ما ذكرت من الغربة فلك بأبي عبد اللّه ( ع ) أسوة بأرض ناء عنا بالفرات ( ص ) ويمكن أن يلتزم في بعض هذه الوجوه عدم كون ما يعتريهم من الأسقام مؤلما ، خصوصا إذا انحصر لطفيته في غيرهم « 2 » أو عدم المهم بها إذا ضمّ إليه استغراقهم في محبة بارئهم اللازم منه عدم التفات أنفسهم إلى عوارض أجسادهم ، ومعه لا يمكن إحساسه ، وكيف كان فهذا القسم من البلاء يشترك مع النعم في خواصها وبعد التأمل ينبغي السرور به كالسرور بها بورودها ، ويشترك في مراتب شكرها بالإقرار بأنه منه تعالى والحمد له بلسانه ، وبملاحظة ما ذكرنا أطلق عليه النعمة في بعض الأخبار ، « ففي جامع الأخبار وغيره » عن النبي ( ص ) : لا تكونوا مؤمنين حتى تعدوا البلاء نعمة والرخاء محنة ، لأن بلاء الدنيا نعمة في الآخرة ، ورخاء الدنيا محنة في الآخرة ، وفيه إشارة إلى وجه آخر في إطلاق النعمة عليه ، « وفي مصباح الشريعة » قال الصادق ( ع ) : البلاء زين المؤمن وكرامة لمن عقل ، لأن في
هامش
( 1 ) أي يتهيج به من تبوغ الدم بصاحبه هاج وفي الحديث عليكم بالحجامة لا يتبيغ بأحدكم الدم فيقتله ، وقيل أصل يتبيغ يبتغي فقلت مثل جذب وجبذ أي يجب على الإمام العادل أن يشبه نفسه في لباسه وطعامه يضعفه الناس لكيلا يهلك الفقراء من الناس .
( 2 ) لا يخفى ما في هذا القول من اللوازم التي لا يمكن الالتزام بها .