الأرض والماء والهواء والنار ، وجميع هذه النعم متعلقة بعمر وأيضا لمدخليتها في وجوده وبقائه وهي أيضا نعمة لزيد لتوقف وجود زيد وبقائه على وجود عمرو ، لكون الإنسان مدنيا بالطبع ، وكذا بالنسبة إلى غيرهما وكذا كل نعمة للّه على كل حيوان من الحيوانات التي لها مدخل في النظام فهي إذا نعمة على زيد مرة بذاته ومرة باعتبار كونها نعمة على كلّ واحد واحد من أفراد البشر لمدخلية وجودهم في وجوده ونظام أحواله ، فيضرب عدد الأشخاص والحيوانات مرات لا تتناهى .
ثم لما كان وجود زيد موقوفا على وجود أبويه فكلّ نعمة على كلّ من أبويه وكلّ من كان في عصرها نعمة عليه وكذا كل نعمة على والدي كلّ من في عصره لتوقف وجوده على وجودهم المتوقف على وجود آبائهم وأمهاتهم المتوقف على جميع تلك النعم فيضرب جميع هذه الأعداد الغير المتناهية في جميع تلك الأعداد الغير المتناهية مرات غير متناهية ، وهكذا في كلّ عصر إلى أن ينتهي إلى آدم وحوّاء ، وكيف يقدر جميع الثقلين على إحصاء مرتبة من هذه المراتب ، مع أنّ كلّ قطرة من قطرات البحار وكلّ ذرة من ذرّات الجوّ والأرض نعمة على كلّ شخص من الأشخاص :
وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها
إنّ الإنسان لظلوم يظلم النعمة بإغفال شكرها ، ويظلم نفسه بتعريضها للحرمان فتشكو وتجزع في الشدة ، ويجمع ويمنع في الرخاء ، كفار شديد الكفران ، ولا يعرف صاحب النعمة ولو عرف لا يعظمها ولا يتدبر في مسبوغها ونفاستها ، ثم لا يظهرها بلسانه .
( د ) : من مراتب الشكر إظهارها بالقول عند عبادة تعالى كما قال تعالى :
وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ
ولا ينكرها عندهم ولا يسترها عليهم فيكون كالشاكي منه تعالى بلسان الحال إلا أن يكونوا من الحساد الذين ينبغي التستر عنهم حفظا من شرهم ، ولئلا يكون ممن أعانهم على تقوية خبيث رذيلتهم أو من النعم الباطنية التي يخاف من إظهارها تزكية النفس المنهية في قوله تعالى :
فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى
وحمد اللّه تعالى وشكره بلسانه بالمأثور وغيره .