المعنى السابق مختصّ بالحجج الطاهرين وغيرهم يعتريهم النوم الغالب على الحاستين ، إلا أن يحمل أهل الخبر فيه على تلك العصابة ، أو يلتزم باختصاص الاحتمال الثاني بتلك الرواية .
الثاني : في مراتب نوم الإنسان قال الثعالبي في سرّ الأدب : أول النوم النعاس وهو أن يحتاج إلى النوم ، ثم الوسن وهو ثقل النوم ، ثم الترنيق وهو مخالطة النعاس العين ، ثم الكرى والغمض وهو أن يكون الإنسان بين النائم واليقظان ، ثم الإغفاء وهو النوم الخفيف ، ثم التهويم والعرار والتهجاع وهو النوم القليل ، ثم الرقاد وهو النوم الطويل ، ثم الهجود والهبوغ وهو النوم الغرق ، وفسّر بعضهم النعاس بالسنة ، وخصّ الرقود بالنوم في الليل ، وينفيه قوله تعالى :
وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقاظاً وَهُمْ رُقُودٌ
.
وفي النهاية النعاس : الوسن وأول مراتب النوم ، وقال : الوسن أول النوم ، فيشكل عليه قوله تعالى :
لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ
إذ القياس في الإثبات الترقي من الأدنى إلى الأعلى كقوله تعالى :
فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى
وفي النفي بالعكس فإنه أدلّ على المبالغة في نفي المراد إذ نفي النوم لا يستلزم نفي السنة كما أن نفي السنة يستلزم نفي النوم فمقتضى المقام أن يقتصر على نفي السنة لأداء المقصود من تكثير الألفاظ ، فيكون أقرب إلى الفصاحة أو يقدم نفي النوم عليه ليكون بذكر السنة بعد النوم مزيد فائدة وذكر لدفعه وجوه :
( أ ) : أن يراد من مجموع النوم والسنة الحالة الممتدة التي مبدؤها أول استرخاء أعصاب الدماغ ، فلا تقدم لكلمة على أخرى ، بل الكل كلمة واحدة من قبيل الرمان حلو حامض ، أي مزّ وضعّفه البهائي بأن توسط كلمة لا مما لا يساعد عليه ، ويمكن أن يقال أن كلمة لا مزيدة لتأكيد النفي وعلى تقدير عدم زيادتها لا يدلّ على التعدد ، ولا ينافي الوحدة كما في قولك الرمان ليس حلوا ولا حامضا .
( ب ) : أن يكون المراد لا تأخذه سنة التي هي الفتور ، فضلا أن يأخذه النوم الذي تلزمه الغفلة الكلية وفيه ما لا يخفى .