وبيده القرصتان ، فقال : من أعطاكهما ؟ فقال : جارية في هذا البيت ، فدخل وقال لبنته : لم أعطيته قرصتيك ؟ فقالت : أقسمني بمن لم أتمكن من رده ! فقال : وبم أقسمك ؟ قالت : بأمير المؤمنين عليه السلام فقال أو تحبيه ؟ فقالت :
أفديه نفسي فقال : بأي يد ناولتيه ؟ فقالت : باليمنى ؛ فقال : ان كنت صادقة فناوليني يدك حتى أقطعها على حبه ؟ فقالت : هي سهلة لكن لا تفقرني إلى الناس ، فتضرعت إليه فلم يرتدع ، فقالت وهي متضرعة : يا عالم السر والخفايا أنت واقف بما يفعله هذا القاسي ، وما أضمرته في سريرتي ومدت يدها فقطعها وأخرجها من بيته ، فخرجت إلى الصحراء وجلست عند شجرة وغشيت عليها من كثرة ما خرج الدم من يدها ؛ وكان ملك تلك الناحية قد خرج للصيد ، فتعاقب ظبيا إلى أن وصل إلى صحراء يشتعل منه نور يصعد إلى السماء ، وقد أحدقت حول شجرة جماعة كثيرة من الحيوانات ترمقون بطرفهم إلى السماء ، والدمع تجري من عيونهم وغاب الظبي ، فأتى ظل الشجرة فرأى جارية كالبدر التمام مقطوعة اليمنى مغشية عليها والدم تجري منها فنزل وشدّ يدها فسكن الدم فأفاقت بعده ، فرأت رجلا حسن المحاسن فسلمت عليه ولم تعرفه .
فلما رآها الملك شاعرة سألها عن حالها ؟ فقصت عليه ما جرى عليها ؛ فألقى اللّه في قلبه محبتها وقال : ان لي ابنا وقد اخترتك له وأنت بنتي في الدنيا والآخرة ، ثم أردفها وأتى بها إلى العسكر ، وطلب محفة « 1 » وأركبها فيها وأذهب بها إلى حرمه وعالجها ، وكانت تصوم الأيام وتصلي في الليالي إلى أن مضت سنون وحان وقت التزويج عقدها لابنه ، وصنع في عرسها ما هو أهله وبعث بها إليه ، ولم يكن له علم بان يدها مقطوعة ، فلما خلى بها أتى أبوه خلف الباب ليرى ما يصنع ولده بها وهي كذلك ، فان عافها « 2 » يمنعه لئلا ينكسر خاطرها .
هامش
( 1 ) المحفة بكسر الميم وشد الفارء : مركب من مراكب النساء كالهودج ويسمى « تخت روان » .
( 2 ) عاف عيفا الشيء : كرهه فتركه .