فرغت من تحصيل العلوم الدينية في المشهد الغروي وآن أوان النشر ووجوب الأنذار ؛ رجعت إلى وطني ، وقمت بأداء ما كان علي من اهداء الناس على تفاوت مراتبهم ، ولعدم تضلعي بالآثار المتعلقة بالمواعظ والمصائب كنت مكتفيا بأخذ تفسير الصافي بيدي على المنبر والقراءة منه في شهر رمضان والجمعات وروضة الشهداء للمولى حسين الكاشفي في أيام عاشوراء ولم أكن ممن يمكنه الانذار والابكاء بما أودعه في صدره إلى أن مضى علي عام وقرب شهر محرم الحرام ، فقلت في نفسي ليلة إلى متى أكون صحفيا ؟ لا أفارق الكتاب ، فقمت أتفكر في تدبير الغناء عنه والاستقلال في الخطاب وسرحت بريد فكري في أطراف هذا المقام إلى أن سئمت منه وأخذني المنام ، فرأيت كاني بأرض كربلاء في أيام نزول المواكب الحسينية فيها وخيمهم مضروبة وعساكر الأعداء في تجاههم كما جاء في الرواية فدخلت على فسطاط سيد الأنام أبي عبد اللّه ( ع ) ، فسلمت عليه ، فقربني وأدناني وقال ( ع ) لحبيب بن مظاهر ان فلانا وأشار إليّ ضيفنا اما الماء فلا يوجد عندنا منه شيء وانما يوجد عندنا دقيق وسمن ، فقم واصنع له منهما طعاما واحضره لديه ، فقام وصنع منه شيئا ووضعه عندي وكان معه قاشوق ، فأكلت منه لقيمات وانتبهت ، وإذا أنا أهتدي إلى دقائق وإشارات في المصائب ولطائف وكنايات في آثار الأطايب ما لم يسبقني أحد وزاد كل يوم إلى أن أتى شهر الصيام وبلغت في مقام الوعظ والبيان غاية المرام .
قلت : أمره دام ظله وعلاه فيما ذكره أعظم من أن يوصف ، ومقامه في هذا المضمار أعلى من أن يعرف ، وقد هجم عليه في هذه السنة التي هاجر فيها إلى النجف من كثرة ما رأى من المناكير والظلم في بلاد أهواز ولم يقدر على رفعها عن أهلها جل الفضلاء واقتبس من أنوار تحقيقاته أعاظم العلماء ، وصار تحت منبره في شهر رمضان وعاشوراء ويوم الجمعة والخميس محفلا يغتبطه سكان الملأ الأعلى
ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ
.