ويساره وجاء الشاب ، فسلم ووقف أمامه ، فدنوت منه ( ع ) وعرضت بحضرته مسألتي ، فمد ( ع ) إليّ يده وأعطاني خبزا مثل الخبز الذي يخبزونه نسوان العرب ، فقلت : يا سيدي ما أقدر ان آكل الخبز وان كنت جائعا لأنه لا يستقر في جوفي ويشتد بأكله وجعي ، فقال ( ع ) : خذه وكله ، قلت : لا يسعني أكل شيء لأجل هذا المرض فقال لي الشاب : خذه ولا عليك ، فإنك تقدر على أكله ، فأخذته وإذا في جوفه قطعة لحم مشوي ، فلما أعطاني الخبز واللحم رجع وانسدت الباب وجلس الرجلان مكانهما .
فلما انصرفت رأيت كلابا كثيرة نائمة في الميدان بحذاء الباب ، فخفت منها ان تنهشوني « 1 » فوقفت متحيرا ، فالتفت إلي الشاب وقال لا تخف انها لا تؤذي انها من خدام أمير المؤمنين ( ع ) ، فلما رأى اني ما اطمأننت بهذا الكلام جاء وأخذ بيدي وجاء معي حتى خرجت من جماعة الكلاب ، فلما أراد ان ينصرف سألته عن الرجلين الجالسين على الدكتين ؟ فقال : أما تعرفهما هما آدم ونوح فقلت له : يا سيدي باللّه عليك من أنت ؟ قال : أنا علي بن الحسين الأكبر وتركني ومضى ، فلما مشيت قليلا وأنا جائع أكلت من اللحم والخبز لقمتين ، فانتبهت من نومي ، فإذا أنا بوجع كأن النار قد أضرمت في جوفي وكأنه يدخل في جوفي وفي كبدي حديدة محماة والعطش قد غلبني .
فشربت ما عندي من الماء وكان عند السحر وقت انفتاح أبواب الحرم الشريف ولم يرو هذا الماء غليلي « 2 » ولم يطف حر كبدي وأنا مشتعل بحر الكبد وجوى القلب ولظاه « 3 » ووجعه حتى أصبح الصباح : فرأيت نفسي لا تطيق الصبر عليه ، فقمت وأتيت إلى باب البلد الذي ينفتح إلى البحر ؛ ووقعت على وجهي هناك كالمدهوش إلى أن انفتح ، فجعلت أركض إلى البحر ، فلما وصلت إليه وقعت عليه حتى غمر فيه صدري ووجهي وأنا أشرب وما أروي حتى
هامش
( 1 ) نهشه : تناوله بفمه ليعضه فيؤثر فيه .
( 2 ) الغليل : العطش .
( 3 ) لظيت النار : تلهبت .