أمير المؤمنين ( ع ) وناوله خطا ، وقال هذه حوالة إلى سفير سلطان الإفرنج في بغداد فاعطه إياه وخذ صلتك منه ، فانتبه الرجل والخط بيده وكان على لغة الإفرنج وخطهم وتحير في محل الحوالة وقال : لعل فيه سرا لا نعلمه ، وقصد بغداد وأتى إلى باب دار السفير فرأى فيه الحجاب ، فخاف منهم وهو على هيئة رثة وثياب خلقة ، فرجع ولما كان في اليوم الثاني فعل مثل فعله وفي اليوم الثالث عاتب نفسه ، وقال : انك مأمور من جانبه ( ع ) فلا يقدر أحد على أذاك وان منعوك من الدخول ، فلا خوف في الرجوع .
فذهب ودخل الدار فما منعه أحد ورأى السفير وحده يمشي في أطراف صحن الدار متفكرا متنكتا بعصاه الأرض « 1 » ، فلما وقع نظره على الشاعر :
قال : أين كنت وقد دخلت في هذا البلد منذ ثلاثة أيام ومنعتني من الأكل والمنام ! وتعجب الرجل وذكر عذره وقال : اني أوصيت إلى الحجاب والبواب ان لا يمنعوك ووصفتك لهم ثم أجلسته وتقدم إليه شيئا يأكله ، فامتنع لأجل كفره ، فقال له : كل فاني على دينك ، فزاد تعجبه ثم ناوله الكتاب ، فلما أخذه ونظر إليه بكى وجعله بين عينيه وقبّله وقرأه ، ثم قال : حبا وكرامة كان له ( ع ) عندي أمانة أمرني ان أدفعها إليك ، فتحير الشاعر ، وقال : معرفتي بقصتك أحب إلي من الصلة .
فأخذ بيده وأتى به إلى داخل الدار في مكان خلوة ، وقال : اعلم اني كنت تاجرا في بلدي فحصلت أمتعة وصاحبت جماعة وركبنا السفينة وماج بنا البحر وطرحنا في موضع لا يقدر من العبور فيه أحد ، ووقفت سفينتنا وآيسنا من الحياة ورأيت في هذا الموضع سفنا كثيرة واقفة ليس فيها أحد ، فكنا نقتصر في الأكل على قليل خوفا من نفود المأكول إلى أن نفد عن آخره ، فعزمنا على أكل الإنسان فقرعنا كل يوم على واحد حتى لم يبق إلّا أنا وآخر وكان في غاية الضعف ، فنهزت الفرصة وقتلته وكنت أعيش من لحمه أياما وفي خلالها كنت أتفرج في تلك السفن وأستعلم ما فيها من الأمتعة والجواهر إلى أن عثرت في
هامش
( 1 ) نكت الأرض بقضيب أو بأصبعه : ضربها به حال التفكر فأثر فيها .