قلبي ، وتكدرت عليّ غضارة عيشي فلم أملك نفسي إلّا ودخلت على أهلها وكانوا من وجوه النصارى وأشرافهم ، فخاطبتها منهم فقالوا : لا عيب فيك إلّا انك على خلاف مذهبنا فلو أمكنك الدخول فيما نحن عليه زوجناك إياها فخرجت من عندهم مهموما لأنهم علقوه علي أمر ما كنت أقدم عليه أبدا ؛ ومكثت أياما وما زادني إلّا حبا وشوقا وغراما ، وقعدت عن تجارتي ومشاغلي .
فلما رأيت مآل أمري إلى التشتت والاختلال ، وعاقبة نفسي إلى الاختلاط والهلاك ، قلت : لا بأس بالتدثر بجلباب النفاق والتقية باظهار الشرك ، فقد ضاق بي الخناق ، فقمت إليهم مسرعا بعزم قبيح وقلت : برئت من الإسلام ودخلت في دين المسيح فقبلوا مني تلك الهدية القليلة وزوجوني تلك الجارية الجميلة ، فلما مضى قليل من الأيام وذهب ما كان بي من الشبق والغرام ؛ ندمت على فعلي الذميم الذي عقب لي نار الجحيم ، فكنت أوبخ نفسي وأتفكر ليوم رمسي ، فكنت لا أقدر ان أرجع إلى بلدي قهقري ، ولا يمكنني الإقامة هنا مشتغلا بوظائف النصارى ، ولم يبق لي من شرائع الإسلام شيء أقيمه هنا إلّا البكاء على سيد الشهداء عليه آلاف التحية والثناء وقد وقع في تلك الأيام منه ( ع ) محبة عجيبة في قلبي ، حدتني إلى التفكر فيما جرى عليه من الرزايا وإقامة المأتم عليه بالعويل والبكاء ، وكانت الجارية تتعجب من تلك الحالة إذ لا ترى لبكائي علة ظاهرة .
فلما زادت حيرتها سألتني عن سببها فنهرتها عن المسألة ، فلم ترتدع وأعادت تلك المقالة ، فتوكلت على اللّه المتعال وكشفت لها عن حقيقة الحال ، وذكرت لها ثباتي على مذهب الإسلام وتدثري جلباب التنصر لبلوغ المرام ، وان بكائي لما جرى على إمام الأنام أبي عبد اللّه ( ع ) ، فلما استقر اسمه الشريف في قلبها ظهر فيه نور مبين ، فكأنه كان شهاب أحرقت به الشياطين ؛ فدخلت من حينها في الشريعة الغراء وأعانتني في العويل والبكاء ، فلما طابقت سيرتها جمالها وحسنت كظاهرها باطنها قلت لها : أرى ان نلم شعثنا ونجمع شملنا ، ونهاجر خفاء إلى جوار قبر من نتحسر عليه ليسهل علينا
دار السلام فيما يتعلق بالرؤيا والمنام — صفحة 183
مساهمون: ميرزا حسين النوري الطبرسي
ص١٨٣