اليسرى فصار بها رمد شديد وبياض ، واشتد به الوجع ، فمنعني الرقاد فجمع والدي العليم ما كان في بلدتنا من الأطباء ، فقال بعضهم : لا بد له من شرب الدواء مقدار ستة أشهر لعل عينه تعود صحيحة وقال بعضهم : يكفي في أربعين يوما ، فضاق خلقي وكثر همي من سماع كلماتهم لكثرة ما شربت من الدواء في تلك المدة ، وكان لي أخ صالح تقي أراد السفر إلى المشاهد العظيمة ، وزيارة سادات البرية ، فهاج شوقي وقلت : أصاحبك في الطريق لعلي أمسح عيني بعتبة من تربته شفاء من كل داء ، وفرج من كل ضيق ، فقال : وأنت في هذا المرض والوجع لا يمكنك الحركة وسمع بذلك الأطباء فقال بعضهم : يصير عمياء في المنزل الثاني ، وقال بعضهم : يعمى ولما يبلغ أول منازله ، فمنعوني فقصدت مشايعته في الظاهر ، فسافرت معه إلى المنزل الأول ، وكان هناك رجل من الصلحاء الأخيار ، فلما سمع حكايتي حرصني على المسير وقال : لا شفاء إلّا عند خلفاء الإله الكبير : فاني كنت مبتلى بوجع في القلب في مدة تسع سنين وكلت الأطباء عن تداويه فزرت أبا عبد اللّه الحسين ( ع ) فشفاني بحمد اللّه من غير تعب ومشقة ، فلا تصغ إلى خرافات الأطباء وزر متوكلا بخالق البرايا ، فعزمت على المسير فلما بلغنا المنزل الثاني وجن الليل اشتد الوجع ، فطالت السنة العذال « 1 » وقالوا جميعا : اما ان ترجع أو نترك السفر على كل حال ؟
فقلت : عند الصباح تنكشف الأحوال ، فلما كان وقت السحر وسكن الوجع قليلا ، رقدت فرأيت الصديقة الصغرى زينب الكبرى بنت إمام الأتقياء عليه آلاف التحية والثناء ، فد دخلت علي وأخذت بطرف مقنعة كانت في رأسها ، وأدخله في عيني ومسحتها به ، فانتبهت فلم أر في عيني وجعا .
فلما أصبحنا قلت لأصحابي : لا أجد وجعا فلا تمنعوني من المسير ، فحملوا كلامي أولا على الحيلة ، فأحلفت لهم ، فسرنا فلما مشينا بعض النهار عمدت إلى عيني فكشفت عنها الخرق التي كانت مشدودة عليها مذ خرجت من البلد ، ونظرت إلى التلال والجبال ، فلم أر فرقا بينها وبين الأخرى ، فقلت
هامش
( 1 ) العذال : الكثير العذل أي الملامة .