بالمجامر « 1 » وتطيبوا ، ثمّ خرجوا إليه فاستدناهم حتّى يقربوا منه ، فيناظرهم أحسن مناظرة وأنصفها وأبعدها عن مناظرة المتجبّرين ، فلا يزال كذلك إلى أن تزول الشّمس ثمّ يقوم إلى الصّلاة فبينما هو يوما جالس ، إذ دخل عليه عليّ بن « 2 » صالح حاجبه ، فقال : إنّ في الباب رجلا ، عليه ثياب غلاظ مشمرة ، يطلب الدّخول للمناظرة . قال : ائذن له فدخل ونعله في يده ، فوقف على طرف البساط ، وقال : السّلام عليكم ورحمة الله وبركاته . فقال المأمون : وعليكم السّلام ورحمة الله وبركاته ، قال : أتأذن في الدّنوّ منك ، قال : نعم ، فدنا منه ، فقال له : إجلس فجلس ، فقال : أتأذن في كلامك قال : تكلّم ، قال : أخبرني ( عن ) « 3 » هذا المجلس ، الذي أنت فيه جالس ، أجلسته بإجماع المسلمين واختيار لك ورضى بك ، أم بالمغالبة لهم ، والقوّة عليهم بسلطانك . قال المأمون : لم أجلسه بواحد منهما ولكن كان يتولّى أمرهم سلطان قبلي احتمله إمّا على رضى منهم ، وإمّا على كره ، فعقد ( لي ولاية الأمر بعده ) « 4 » باتفاق من حضر من المسلمين ، فأعطوا ذلك إمّا طائعين ، وإمّا كارهين ، فلمّا صار الأمر إليّ ، علمت أنّي محتاج إلى إجماع كافة
هامش
( 1 ) المجمرة ، بكسر الأول : هي المبخرة والمدخنة . قال بعضهم : والمجمر ، بحذف الهاء :
ما يبخر به من عود وغيره . المصباح المنير .
( 2 ) هو علي بن صالح ، سمي جده صاحب المصلى ، لأنه كان مع أبي مسلم الخرساني وكان من أولاد ملوك خرسان ، فاستخصه أبو جعفر بنفسه فلما جرت قصة علي بن عبد اللّه بن عباس وعرض أبو جعفر خزائنه اختار جده حصيرا للصلاة من عمل مصر ، ذكر أنها كانت في خزائن بني أمية وأنهم ذكروا أن النبي صلى اللّه عليه وسلم صلىّ عليها . وتولى علي بن صالح التوقيعات للأمين فترة خلافته وكان من جملة حجاب المأمون . تاريخ العيني ، ج 13 ص 34 مخطوط ؛ خلاصة الذهب المسبوك ، ص 174 و 194 .
( 3 ) زيادة من ( ب - د ) .
( 4 ) في مروج الذهب : فعقد لي وللآخر معي ولاية هذا الأمر بعده ؛ وفي بدائع السلك :
فعقد لي ولأخي معي ولاية هذا الأمر بعده .