[ الكلام على خلافة هارون الرشيد وسيرته وسيرة وزرائه من البرامكة وكرمهم وإحسانهم إلى الشعراء ثم نكبته لهم ]
وقيل استزار إبراهيم بن « 1 » المهدي ، أخاه هارون الرشيد بالرّقة ، فلمّا حضر الطعام وكان الرشيد لا يأكل حارا قبل بارد . فوضعت البوارد بين يديه على المائدة ، فرأى فيما قرب منه جاما « 2 » فيه قريش السّمك ، فاستصغر القطع فقال لإبراهيم لم يصغّر طباخك السّمك . فقال إنّه لم يصغّر القطع ، وانّما هذه ألسنة السّمك ، فقال شبيه أن يكون في هذا الجام مائة لسان فقال له مراقب « 3 » خادم إبراهيم يتولّى قهرمته ، فيه يا أمير المؤمنين أكثر من مائة لسان فاستحلفه على مبلغ ثمن السّمك ، الذي منها هذه الألسنة . فأخبر أنّه ألف درهم فرفع هارون يده من الطّعام وحلف أن لا يطعم دون أن يحضر مراقب ألف دينار ، فأحضرها فأمره أن يتصدّق بها . وقال لإبراهيم أرجو أن يكون هذا كفارة لسرفك في انفاقك ، على جام سمك ألف درهم ، ثمّ أخذ الجام بيده ، ودفعه إلى بعض خدمه . وقال أخرج من دار أخي ، ثم انظر أوّل سائل تراه ، فادفعه إليه . قال إبراهيم وكان شراء الجام على مئتين وسبعين دينارا فغمزت بعض خدمي أن يخرج مع الجام فيبتاعه ممّن يدفع إليه ، وكأنّ الرّشيد فهم ذلك مني فهتف بالخادم ، وقال إذا دفعت الجام إلى السائل ، فقل له يقول لك أمير المؤمنين ، احذر أن تبيع الجام بأقل من مئتي دينار فإنّه يساوي أكثر منها . ففعل الخادم ما أمره ، قال فوالله ما أمكن خادم إبراهيم أن يشتريه ، ويردّه إلى الدّار إلا بمائتي دينار ، كما أوصى أمير المؤمنين « 4 » .
ولمّا حمل الشّافعيّ « 5 » رحمه الله من اليمن إلى الرشيد ، حين وشي به
هامش
( 1 ) تقدمت ترجمته ، ص 203 .
( 2 ) الجام قدح من خشب ؛ القاموس المحيط .
( 3 ) لم أعثر له على ترجمة فيما لدي من مراجع .
( 4 ) مروج الذهب ، ج 2 ص 286 - 287 ، وفيه أن الرشيد كان يأكل الحار قبل البارد ، تهذيب تاريخ ابن عساكر ، ج 2 ص 279 .
( 5 ) تقدمت ترجمته ، ص 290 .