قيل خرج على هارون الرشيد « 1 » بعض الخوارج ، فأنهض إليه جيشا فظفر به ، فلمّا دخل عليه ، قال له ما تريد أن أصنع بك قال الذي تريد أن يصنع الله بك ، إذا وقفت بين يديه . فأطرق مليّا ثمّ رفع رأسه وأمر بإطلاقه فلمّا خرج قال بعض من حضر يا أمير المؤمنين يقتل أهلك ويفني أموالك وتطلقه لكلمة واحدة ، تأمل هذا ، فإنّه يجرّىء ، عليك أهل الشّر . فأمر بردّه فلمّا مثل بين يديه ، علم أنه قد سعى به عنده ، فقال يا أمير المؤمنين لا تطعه فلو أطاع الله فيك ، ما استخلفك لحظة واحدة فأمر بإطلاقه وقال لا تعاودوني في بابه « 2 » .
وعن جريم بن أبي يحيى المزنيّ قال : دعاني ، يوما للأكل معه فلمّا توسّط الأكل ، رفع رأسه إلى رجل ، يكلّمه بالفارسيّة قلت يا أمير المؤمنين ان كنت تريد أن تسرّ إليه ، فإني أفهم الفارسيّة ، فأمرني أتنحّى إلى أن تقدّم إليه بما تريد فاعجب الرشيد كرم أخلاقه وصدّقه وخاطب الرّجل سرّا بما أراد وأمر لجريم بصلة سنّية « 3 » .
هامش
( 1 ) هو هارون بن محمد بن عبد اللّه بن محمد أمير المؤمنين الرشيد بن المهدي بن المنصور ، خامس خلفاء بني العباس وأجلهم وأعظمهم نال في الخلافة ما لم ينله خليفة قبله . ولد سنة 147 ه بالري ، بويع له بالخلافة بعد موت أخيه موسى الهادي ، بعهد من أبيه المهدي سنة 170 ه وكان عمره آنذاك اثنين وعشرين سنة ونصف اعتمد على البرامكة في دولته فزينوها ، إلى أن أكثروا الدالة عليه ففتك بهم . وكان جوادا ممدحا ، ورعا صالحا كان يكثر من الحج والغزو يقتفي أثر جده المنصور في تدبير أمر الدولة ، إلا في العطاء فإنه كان سريع العطاء جزله ، توفي بطوس سنة 193 ه وله ست وأربعين سنة وكانت مدة خلافته ثلاثا وعشرين سنة وشهرين / فوات الوفيات ، ج 4 ص 225 - 227 ؛ البداية والنهاية ، ج 10 ؛ ص 213 - 217 ؛ المعارف ، ص 166 ؛ الفخري ، ص 193 ؛ النجوم الزاهرة ، ج 2 ص 142 - 143 ؛ شذرات الذهب ، ج 1 ص 334 - 337 .
( 2 ) حياة الحيوان الكبرى ، ج 1 ص 76 ؛ العقد الفريد للملك السعيد ، ص 114 - 115 .
( 3 ) الأذكياء لابن الجوزي وفيه أن يحيى المروزي هو الذي قال كنت أكل مع الرشيد ، ص 140 .