إليه فجرى له معه كلام كثير إلى أن قال له الرشيد ، هل من موعظة تعظ بها أمير المؤمنين . قال نعم ( على ترك الحشمة ورفع الهيبة ) « 1 » ، وقبول النّصح والقاء رداء الكبر عن منكبك . قال الرشيد لك ذلك ، فجثى ( الشافعيّ ) « 2 » على ركبتيه . وقال يا ذا الرّجل ، إنّه من أطال عنان الأمر في العزّ ، طوى عذار الحذر بالمهلة ، ومن لم يعوّل على طريق النجاة ، كان بجانب قلّة الاكتراث بالمراجعة إلى الله مقيما . ومن أحسن الظّن ، كان من أمنة المحذور ، في مثل نسج العنكبوت ، لا تأمن على نفسها ، وتحجزها عن سعيها ، فلو جرّعها مخالفتها وبادر خوف المراجعة ، بالتزوّد إلى دار المقامة ، إن لو فعلت ذلك يا رجل ما اهتدت إليك يد النّدامة ولأبدرتك غدا ق / 52 في القيامة ، لكنّك أتيت من حيث لا يؤدّي إلى فهمك ، من أذن لمجّ الكلام بسمعك فمن ثمّ أعقبك التّواني ، والاغترار بنفسك ولو كان لك ( أمير ) « 3 » من عقلك ينقد لك ما سقط من عيوبك ، لشغلك ذلك عن النّظر في عيوب غيرك ولكن ضرب الهوى عليك رواق الحيرة فتركك إذا خرجت يد موعظتك ، لم تكد تراها ومن لم يجعل الله له نورا ، فما له من نور . فبكى الرشيد حتّى بلّ منديلا كان في يده ، ثمّ قال له خاصة من يقوم على رأسه ، اسكت فقد أبكيت أمير المؤمنين فالتفت إليهم الشّافعيّ ، رحمه الله ، وقال : يا عبيد الدّنيا ، الذين باعوا أنفسهم لمحبوب الدّنيا ، أما رأيتم ما استدرج به من كان قبلكم من الأمم بالأماني ألم تروا كيف فضح الله مستورهم ، وأمطرت بواكير الهموم عليهم ، بعد سرورهم فأصبحوا بعد خفض عيشهم ، ولين رفاهيتهم ، في نسيم روضة البطّالين حصائد النّقم ومدارج المثولات . فقال له الرشيد لقد سللت علينا
هامش
( 1 ) في ( ب - ج ) : على رفع الحشمة وترك الهيبة .
( 2 ) زيادة من ( ج ) .
( 3 ) في ( ب - د ) : أمين .