روي أنّ أول خطبة ، خطبها السفاح ، في بلدة تسمّى العباسيّة ، فلمّا صار إلى موضع الشهادة قام رجل من الطالبيين في عنقه مصحف ، فقال أذكرك الذي ذكرته ، إلا أنصفتني من خصمي ، وحكمت بيني وبينه ، بما في هذا المصحف ، فقال : ومن خصمك ، قال : أبو بكر الذي منع فاطمة فدكا .
قال وأقام على ظلمكم ، قال نعم ، قال وهل كان بعده أحد ، قال نعم ، قال من ، قال عمر ، قال وأقام على ظلمكم ، قال نعم ، قال وهل كان بعده أحد ، قال من ، قال عثمان ، قال وأقام على ظلمكم ، قال نعم ، قال وهل كان بعده أحد ، قال نعم قال من ، قال علي قال وأقام على ظلمكم ، فأسكت الرّجل ، وجعل يتلفت إلى ورائه يطلب تخلّصا « 1 » . وأقبل السّفاح على خطبته وصعد المنبر بوجه كأنّه مصحف ، فلم يستطع الكلام من الحياء ، فنهض عمّه داوود بن عليّ « 2 » حتّى صعد المنبر ، فقال المنصور فقلت في نفسي ، هذا شيخنا وكبيرنا ، يدعو إلى نفسه ، فلا يختلف عليه اثنان . فانتضبت سيفي وغطيّته بثوبي ، وقلت إن فعل ناجزته فلما رقى استقبل النّاس بوجهه أبي العبّاس .
هامش
- سنة 136 ه ، وعهد الخلافة إلى أخيه أبي جعفر المنصور ، وكانت مدة خلافته أربع سنين وثمانية أشهر . فوات الوفيات ، ج 2 ص 215 . الفخري ، ص 251 . تاريخ الخلفاء ، ص 256 - 259 . تاريخ اليعقوبي ، ج 2 ص 349 . النجوم الزاهرة ، ج 1 ص 333 . البداية والنهاية ، ج 10 ص 58 . شذرات الذهب ، ج 1 ص 195 .
( 1 ) كتاب الأذكياء ، لابن الجوزي ، ص 36 - 37 . وفيه أن السفاح قال له واللّه الذي لا إله إلّا هو لولا أنه أول مقام قمته ، ثم لم أكن تقدمت إليك في هذا قبل لأخذت الذي فيه عيناك ، اقعد وأقبل على الخطبة . المصباح المضيء ، في خلافة المستضيء ، ج 1 ص 391 - 392 .
( 2 ) هو داوود بن علي بن عبد اللّه بن العباس . عم الخليفة السفاح ، كان فصيحا مفوها ، ولي أمرة المدينة ، فقتل من كان فيها من بني أمية ، استخلف حين احتضر على عمله ولده موسى ، توفي سنة 173 ه . النجوم الزاهرة ، ج 1 ص 354 - 355 . البداية والنهاية ، ج 10 ص 56 .