تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحكم والمحيط الأعظم — صفحة 522

مساهمون:

ص٥٢٢
قال ابنُ جنىٍّ : أصلُهَا بَنَوَةٌ ، وَوَزْنُها فَعَلٌ ، فألحَقَتها التاءُ المبدلةُ مِن لامها بِوَزن حِلْسٍ ، فقالوا : بِنْتٌ ، وليست التاءُ فيها بعلامَةِ تأنيثٍ كما ظَنَّ مَنْ لا خِبْرَةَ لَهُ بهذا الشأن ، وذلك لسكون مَا قَبلَها ، وهذا مَذهبُ سيبويهِ ، وهو الصحيحُ ، وقد نصّ عليه في باب ما لا ينصرفُ ، فقال : لو سَمَّيتَ بها رجلًا لصرْفتَها معرفةً ، ولو كانت للتأنيثِ لمَا انصرف الاسمُ . على أن سيبويه قد تسمَّح في بعض ألفاظِه في الكتاب ، فقال في بِنْتٍ : هي علامة تأنيثٍ ، وإنّما ذلك تَجوُّز منه في اللفظ ؛ لأنّه أرسلَهُ غُفْلًا ، وقد قَيَّدهُ وعَلَّلَهُ في باب ما لا ينصرفُ ، والأخذ بقوله المعلَّلِ أَقْوَى منَ الأخذ بقوله الغُفْلِ المُرْسَلِ ، ووجْهُ تَجَوُّزه أنَّهُ لمَّا كانتْ التاءُ لا تبدلُ من الواو فيها إلا مع المُؤَنَّث صارَتْ كأنها علامَةُ تأنيثٍ ، وأَعنى بالصيغَة فيها بِناءَهَا على فِعْلٍ ، وأصلُهَا فَعَلٌ بدلالة تكسيرِهم إِيّاه على أفْعَالٍ ، وإبدالُ الواوِ فيها لازمٌ ؛ لأنّه عَمَلٌ اختُصّ بهِ المُؤَنثُ ، ويدلُّ أيضًا على ذلك إقامَتهُم إياهُ مُقامَ العلامة الصريحة ، وتَعَاقُبُهَا فيها على الكلمة الواحدَةِ ، وذلك نحو : ابنَةٍ وبنتٍ فالصيغة في بِنْتٍ قائِمَةٌ مَقَامَ الهاءِ في ابَنةٍ فكما أنّ الهاءَ علامةُ تأنيثٍ ، فكذلك صيغةُ بِنْتٍ علامةُ تأنيثها ، وليس بنتٌ مِن ابنَةٍ كَصَعْبٍ مِن صَعْبةٍ ، إنّما نظيرُ صَعْبَةٍ مِن صَعْبٍ ابنةُ مِن ابنٍ ، ولا دِلالة لك في البُنُوَّةِ على أنّ الذاهبَ من بنتٍ واوٌ ، لكِنْ إبدالُ التاءِ من حرف العلةِ يدل على أَنّهُ منَ الواو ؛ لأنّ إبدالَ التاءِ مِنَ الواوِ أضعَافُ إبدالِهَا منَ الياءِ ، والنسبُ إلى بنتٍ بَنَوِىٌّ ، فأَمّا قولُ يُونُسَ : بِنْتِىٌّ ، وأُخْتِىٌّ ، فمردودٌ عند سيبويه ، وقد أُنعمَ تَعْلِيلُهُ في غيرِ مَوضعٍ ، وقوله تعالى :
هؤُلاءِ بَناتِي
هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ [ هود : 78 ] كَنَّى ببناتِهِ عن نسائِهم ، ونِسَاءُ أُمَّة كُلِّ نَبِىٍّ بمَنزِلَةِ بناتِه ، وأزوَاجُهُ بمنزلةِ أمهاتهم ، هذا قول الزجّاج . قال سيبويه : وقالوا : ابنَمٌ فزادوا الميمَ ، كما زِيدتْ في فُسْحُمٍ ودِلقِمٍ ، وكأَنّها في ابنَمٍ أَمْثَلُ قليلًا ؛ لأنّ الاسمَ محذُوفُ اللامِ ، فكأنها عِوضٌ منها ، وليس في فُسحُمٍ ونحوِه حَذْفٌ ، فأمّا قول رُؤبة :
بُكَاءَ ثَكْلَى فَقَدَتْ حَميمَا * فَهْىَ تُرَثِّى بأَبَا وابنَامَا
« 1 » فإنّما أَرادَ وابنىْ ما ، لكن حَكَى نُدْبَتَها ، واحتمل الجمع بينَ الياءِ والألف هاهُنَا ؛ لأنه أرادَ الحكاية كأنّ النادبَةَ آثَرتْ ( وابنا ) على ( ابنِى ) لأَنّ الألفَ هَاهُنَا أَمْتَعُ نَدْبًا وأَمَدُّ لِلصَّوتِ ؛ إذْ في الألف من ذلك ما ليس في الياءِ ؛ ولذلك قالَتْ : بأَبَا ولَمْ تقُلُ : بأَبِى ، والحكايَةُ قد
هامش
( 1 ) الرجز لرؤبة في ملحق ديوانه ص 185 ، ولسان العرب ( بنى ) ؛ وتاج العروس ( رثا ) ، ( بنى ) .