أن يكون قد أعدّ للبصر أجزاء بلانهاية مختلفة الألوان .
وإن كان لا حقيقة للوسائط ، وما هو إلا مزج الضدين بزيادة ونقصان من غير اختلاف آخر ، فيجب أن يكون مدرك البياض يدرك البياض صرفا ، ومدرك السواد يدرك السواد صرفا ، إذ لا يمكن أن يدرك غيره ، فيجب أن لا تشكل علينا بسائط الممتزج ولا تتخيل إلينا الوسائط التي لا يظهر فيها بياض وسواد بالفعل .
وكذلك يجب أن يدرك المثلث بالمثلث ، والمربّع بالمربّع ، والمدوّر بالمدوّر ، والأشكال الأخرى التي لا نهاية لها ، والأعداد أيضا بأمثالها ، فتكون في الحاسّة أشكال بلا نهاية ، وهذا كله محال . وأنت تعلم أن الشئ الواحد يكفى في أن يكون عيارا للأضداد تعرف به ، كالمسطرة المستقيمة يعرف بها المستقيم والمنحنى جميعا ، وأنه لا يجب أن يعلم كل شئ بشئ خاص .
وأما الذين جعلوا النفس جسما يتحرك بحركته المستديرة التي تتحرك على الأشياء لتدرك بها الأشياء ، فسنوضح بعد فساد قولهم حين يتبيّن أن الإدراك العقلي لا يجوز أن يكون بجسم .
وأما الذين جعلوا النفس مزاجا فقد علم مما سلف بطلان هذا القول « 1 » وعلى أنه ليس كل ما يفسد بفساده الحياة يكون نفسا ، فإن كثيرا من الأشياء والأعضاء والأخلاط وغير ذلك بهذه الصفة . وليس بمنكر أن يكون شئ « 2 » لا بد منه حتى تكون للنفس علاقة بالبدن ، ولا يوجب ذلك
هامش
( 1 ) - فقد علم في آخر الفصل الأول ص 27 من قوله : فان قيل المشعور به هو المزاج الخ .
( 2 ) - اى المزاج في ما نحن فيه .