بل كارها له ، وهو أوفق شئ له ويبقى عليه مدة طويلة ، فإذا زال العائق عاد إلى واجبه في طبعه ، فاشتد جوعه وشهوته للغذاء حتى لا يصبر عنه ويهلك عند فقدانه ، وقد يحصل سبب الألم العظيم مثل إحراق النار وتبريد الزمهرير إلّا أن الحس مأوف فلا يتأذى البدن به حتى تزول الآفة فيحس حينئذ بالألم العظيم .
فإذا تقررت هذه الأصول فيجب أن ننصرف إلى الغرض الذي نؤمّه فنقول : إن النفس الناطقة كمالها الخاص بها أن تصير عالما عقليا مرتسما فيها صورة الكل والنظام المعقول في الكل والخير الفائض في الكل مبتدئة من مبدأ الكل سالكة إلى الجواهر الشريفة الروحانية المطلقة ثم الروحانية المتعلقة نوعا ما بالأبدان ، ثم الأجسام العلوية بهيئاتها وقواها ، ثم كذلك حتى تستوفى « 1 » في نفسها هيئة الوجود كله ، فتنقلب عالما معقولا موازيا للعالم الموجود كله مشاهدة لما هو الحسن المطلق والخير المطلق والجمال الحق المطلق ومتحدة به ومنتقشة بمثاله وهيئته ومنخرطة في سلكه وصائرة من جوهره ، وإذا قيس هذا بالكمالات المعشوقة التي للقوى الأخرى وجد في المرتبة التي بحيث يقبح معها أن يقال : إنه أفضل وأتم منها بل لا نسبة لها إليه بوجه من الوجوه فضيلة وتماما وكثرة وسائر ما يتم به إلذاذ المدركات « 2 » مما ذكرناه .
وأما الدوام فكيف يقاس الدوام الأبدي بدوام المتغير الفاسد . وأما شدة الوصول فكيف يكون حال ما وصوله بملاقاة السطوح بالقياس إلى ما هو سار في جوهر قابلة حتى يكون كأنّه هو بلا انفصال ؛ إذ العقل والعاقل والمعقول
هامش
( 1 ) - أي ثمّ تستمرّ كذلك ، بل في النجاة : « ثم تستمرّ كذلك » .
( 2 ) - التذاذ المدركات ، خ . ل . وعبارة النجاة : « وسائر ما يتفاوت به لذائذ المدركات » .