واحد أو قريب من الواحد ، وأما أن المدرك في نفسه أكمل فأمر لا يخفى ، وأما أنه أشد إدراكا فأمر أيضا تعرفه بأدنى تأمل وتذكر منك لما سلف بيانه ، فإن النفس النطقية أكثر عدد مدركات ، وأشد تقصّيا للمدرك وأشد تجريدا له عن الزوائد الغير الداخلة في معناه إلّا بالعرض ولها الخوض في باطن المدرك وظاهره ، بل كيف يقاس هذا الإدراك بذلك الإدراك أو كيف تقاس هذه اللذة باللذة الحسية والبهيمية والغضبية ، ولكنا في عالمنا وبدننا هذين وانغمارنا في الرذائل لا نحسّ بتلك اللذة إذا حصل عندنا شئ من أسبابها كما أومأنا إليه في بعض ما قدمناه من الأصول ولذلك لا نطلبها ولا نحن إليها اللهم إلّا أن نكون قد خلعنا ربقة الشهوة والغضب وأخواتهما عن أعناقنا ، وطالعنا شيئا من تلك اللذة ، فحينئذ ربما تخيلنا منهما خيالا طفيفا ضعيفا ، وخصوصا عند انحلال المشكلات واستيضاح المطلوبات النفسية ونسبة التذاذنا هذا إلى التذاذنا ذلك ، نسبة الالتذاذ الحسى بتنشّق روايح المذاقات اللذيذة إلى الالتذاذ بتطعّمها ، بل أبعد من ذلك بعدا غير محدود .
وأنت تعلم إذا تأملت عويصا يهمّك وعرضت عليك شهوة وخيّرت بين الظفرين ، استخففت بالشهوة إن كنت كريم النفس ؛ والأنفس العامية أيضا فإنها تترك الشهوات المعترضة وتؤثر الغرامات والآلام الفادحة بسبب افتضاح أو خجل أو تعيير أو سوء قالة . وهذه كلها أحوال عقلية بعضها واضداد بعضها يؤثر على المؤثرات الطبيعية ويصير لها على المكروهات الطبيعية ويعلم من ذلك أن الغايات العقلية أكرم على الأنفس في محقرات الأشياء فكيف في الأمور البهية العالية ؟ إلّا أن النفس الخسيسة تحس بما يلحق المحقرات من الخير والشر ، ولا تحس عمّا يلحق الأمور البهية لما قيل من المعاذير .
الإلهيات من كتاب الشفاء ( تحقيق حسن زاده آملى ) — صفحة 467
مساهمون: أبو علي سينا
ص٤٦٧