واما إذا انفصلنا عن البدن « 1 » ، وكانت النفس منّا تنبّهت في البدن لكمالها الذي هو معشوقها ولم تحصّله ، وهي بالطبع نازعة إليه إذ عقلت بالفعل أنه موجود . إلّا أن اشتغالها بالبدن كما قلنا قد أنساها ذاتها ومعشوقها كما ينسى المرض الحاحة إلى بدل ما يتحلل وكما تنسى الأمراض الاستلذاذ بالحلو واشتهاءه ، وتميل بالشهوة من المريض إلى المكروهات في الحقيقة عرض لها حينئذ من الألم بفقدانه كفاء ما يعرض من اللذة التي أوجبنا وجودها ودللنا على عظم منزلتها ، فيكون ذلك هو الشقاوة والعقوبة التي لا يعد لهما تفريق النار للاتصال وتبديل الزمهرير للمزاج ، فيكون مثلنا حينئذ مثل الخدر الذي أومأنا إليه فيما سلف ، أي الذي عمل فيه نار أو زمهرير ، فمنعت المادة اللابسة وجه الحس عن الشعور به فلم يتأذ ، ثم عرض أن زال العايق فشعر بالبلاء العظيم .
وأما إذا كانت القوة العقلية بلغت من النفس حدا من الكمال يمكنها به إذا فارقت البدن أن تستكمل الاستكمال التام الذي لها أن تبلغه ، كان مثلها مثل الخدر الذي أذيق الطعم الألذ وعرض للحالة الأشهى وكان لا يشعر به ، فزال عنه الخدر وطالع اللذة العظيمة دفعة ، وتكون تلك اللذة لا من جنس اللذة الحسية والحيوانية بوجه ، بل لذة تشاكل الحال الطيبة التي هي للجواهر الحية المحضة ، وهي أجل من كل لذة وأشرف .
فهذه هي السعادة وتلك هي الشقاوة ، وتلك الشقاوة ليست تكون لكل واحد من الناقصين ، بل للذين اكتسبوا للقوة العقلية التشوق إلى كمالها
هامش
( 1 ) - جواب « أما » و « إذا » كليهما قوله الآتي : « عرض لها حينئذ . . . » ، والنسخ المخطوطة التي عندنا كلّها متفقة في هذه العبارة ، وإن كان الصواب أن يقال : فعرض لها حينئذ . . . » بالفاء لمكان « أما » .