على أن قول القائل : أن ههنا طرفين ووسائط وبغير نهاية قول يقوله باللسان دون الاعتقاد ، وذلك لأنه إذا كان له طرف فهو متناه في نفسه ، فإن كان المحصى لا ينتهى إلى طرفه فإن ذلك معنى في المحصى لا معنى في الشئ نفسه ، وكون الأمر في نفسه متناهيا هو أن يكون له طرف ، وكل ما بين الطرفين فهو محدود ضرورة بهما .
فقد تبين من جميع هذه الأقاويل أن ههنا علة أولى ، فإنه وإن كان ما بين الطرفين غير متناه ووجد الطرف ، فذلك الطرف أول لما لا يتناهى ، وهو علة غير معلول .
وهذا البيان يصلح أن يجعل بيانا لتناهى جميع طبقات أصناف العلل ، وإن كان لنا استعماله في العلل الفاعلية ، بل قد علمت « 1 » أن كل ذي ترتيب
هامش
( 1 ) - يعني أنّ هنا دليلا آخر على تناهي كلّ ذي ترتيب في الطبع غير برهان الوسط والطرف ، وإن كان برهان الوسط والطرف جاريا في جميع طبقات أصناف العلل .
ثمّ المراد بالترتيب هو أن تكون أجزاء الشيء المتناهي الموجود بالفعل مقوّماته كالجنس والفصل ، والشيء المتناهي الموجود بالفعل ما لم تتحقق الأجزاء المقوّمة له في الخارج لم تتشخّص ، ولذلك تتصاعد الأجناس إلى جنس لا جنس فوقه وتتنازل الأجزاء المقوّمة إلى جزء لا جزء تحته . وقوله الآتي في هذا الفصل : « ولمّا كان قد علم فيما سلف أنّ الشيء المتناهي الموجود بالفعل - إلى قوله - وأما الثاني من القسمين » إعادة لقوله المذكور أعني :
« بل قد علمت أنّ كل ذي ترتيب في الطبع فإنّه متناه » .
وقال الشيخ في « التعليقات » ص 39 في تناهي كلّ ذي ترتيب في الطبع ما هذا لفظه : « الشيء الموجود بالفعل لا يكون له أبعاض غير متناهية إذا كان للأبعاض ترتيب ، كانت تلك الأبعاض مقدارية أو معنوية ، فالمقدارية ظاهر أمرها أنّها تكون متناهية .
وأمّا المعنوية فإذا كان لها ترتيب أي يكون هذا البعض أوّلا وذاك ثانيا وذلك ثالثا فإنّ الترتيب ينتهي عند حدّ ، إذ لا يجوز أن تكون الوسائط بين الطرفين المرتبين غير متناهية ،