إلّا واقعة واحدة طرد فيها الأفغانيين من كرمان ، بحيث لم يستطيعوا الوقوقف في نقطة من النقط حتى رجعوا إلى قندهار ، إلّا أن أهالي كرمان صاروا كالمستجير من الرمضاء بالنار ، حيث نالهم من يد عساكر الشاه ما أوقع الاشتباه عندهم : ( هل مصائب تغلب الأفغانيين أشدّ وأفظع أو مصائب مساعدة دولتهم ؟ ) . ولما علم ليف علي خان أن مير محمود سيعود كرة ثانية شرع في حشد العساكر وجمع الذخائر ، وأخذ أهبة الاحتياط في ( شيراز ) . ولدواع اقتضاها الحال إما لعدم الانتظام أو حكم الزمان قد نشأ عن هذا وقوع الظلم بالرعية ؛ إذ كانوا يصادرونهم في أموالهم ، ويسخرون دوابهم في الأعمال الازمة و غير ذلك . فاتخذ أعداء لطف علي خان هذا الاختلال وسيلة للسعي في عزله ، فسعو الدى الشاه فعزله عن رئاسة العساكر ، فتفرقوا ، وذهبوا من حيث جاءوا . ( انظر إلى الأدنياء الأخسّاء خائني الوطن والأمة ، كيف أنهم لبعض أغراض شخصية و عداوات جزئية ، وللتشفي من شخص و احد ، قد تسببوا في تفريق العساكر التي كانت وقاية للأمة و حفاظاً للوطن ، وترتب على تفريقهم ما ترتب كما سنبينه ) . وفي تلك الأوقات قد أغار العبدالية من الأفغانيين على غالب بلاد خراسان حتى كادوا يفتحون مدينة ( مشهد ) وهي طوس القديمة . وفي أثناء هذه الفتن والقلاقل وقعت زلزلة شديدة في مدينة ( تبريز ) وأصبح ثمانون ألفاً من الناس تحت التراب ، وحصل في الجوّ تكاثف حتى حجب ضياء الشمس ، فكانت لاتُرى إلّا كنقطة من نحاس أحمر ، وفوقع في أوهام العامة أن هذه آثار الغضب الإلهي و مقدمات نزول البلاء السماوي . وأخذوا يتحيلون لدفع القضاء بطرد الفاجرات وإزالة كثير من المنكرات ، والمشايخ كانوا يطوفون في الأزقة ويدعون الناس للاستغفار ، والمنجمون قد حكموا حكماً باتا أنّ هذا علامة لخراب أصفهان ؛ فوقعت العقول في وحشة ، والنفوس في حيرة ، وضعفت القلوب ، وتدانت لهم حتى كانت هذه الأمة الكبيرة واقفة على قدم الاستعداد للموت ، وانقطعت آمالها من الحياة والنجاة . ( تفطن وانظر إلى مضار الاعتقادات الخرافية ، و ما ينشأ عنها من ضعف النفس وسقوط الهمة وارتباط الأيدي عن العمل ) .
تاريخ ايران وتاريخ الأفغان ( تاريخ اجمالى ايران وتتمة البيان في تاريخ الأفغان والبيان في الإنجليز والأفغان ) ( فارسى ) — صفحة 123
مساهمون: سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني
ص١٢٣