التربة كثير الأشجار ، يقول الأرمن إن هناك جنة عدن ، ولمّا توفي نوح رحمة اللَّه عليه قبر فيها وهناك قبره ( وله آخر في سوريا في قرية تدعي الكرك جنب زحلة ) وهو على شكل غرفة مقبية مرتفعة على عمود واحد يدعمها من وسطها أمام هذا العمود مذبح يحرق الزوار والبخور عليه وهناك كثير من المدافن مكتوب ومرسوم على كل منهم حرفة واسم الشخص المدفون فيها وفي تلك الناحية مغاثر كثيرة كانت مأوى الأرمن في أيام مذلتهم ، أما الآن وقد أثروا فنبو الدور وهجروا تلك المغائر فغدت مقطناً الفقراء الأعجام . أما جبال آراراط فهي خير ما توجه إليه البصائر ثبتت في الأرض أوتاداً وعممها الثلج ومن حولها يشاهد شتيت بقايا المدن وآثار الديار وهي قائمة بين روسيا وتركيا والعجم ، ولسان الكل قائل برسو سفينة نوح عليها بعد الطوفان وعلى مقربة منها مدينة تدعى أريوان كرومها كثيرة . قيل إن نوحاً أكل من عنبها وأكثر فسكر ! أما هذه المدينة فهي مجمتع الأضداد ترى فيها المآذن والجوامع والكنائس ولا أبنية القديمة الرثة والحديثة الحسنة ، كل ذلك دلالة على خمولها الأوّل ونهوضها من مذلة الفقر بعد آن انتقلت من أيدي الفرس إلى أيدي الروس فأصبح أهلها يضارعون أهل أوروبا في مبادئهم وعوائدهم وممّا يشاهد هناك قلاع الفرس أيام عظمتهم وهناك صخر شاهق كان المجرمون يُطرحون من أعلاه إلى هاوية عمقها نيف ومائه قدم . ومن أريون إلى مسكن البطريرك مسافة اثني عشر ميلًا ، وهناك كنيسة شفيعها القديس وبسيما الشهيد يتألب إليها كثير من الراغبين في الانخراط في سلك الرهبانية يقضون مدة أربعين يوماً صائمين على حسب ما شاهدنا في صيص تتلى عليهم التعاليم اللازمة توطئة لفحص يؤدونه قبل قبولهم في الدرجة الكهنوتية ، إمّا اتشميازين نفسها فهي مجمع ثروة الأرمن وقوتهم وفيها متحف يحوي كنوزهم من كتب وذخائر دالة على سالف أيامهم ومجدهم وفي الدير مدرسة زاهرة جمعيت كل ما تتطلبه ندوات العلم من كتب وغيرها وفي منتصف الدير كنيسة القديسة مرين مبنية في النقطة الّتي رأي فيها جريجوريوس الروح القدس منسكباً عليه وإلى جانب هذه الكنيسة بقية بناء متهدم قيل إنه الكنيسة الّتي بناها الملك يتريداتس ابن
ضياء الخافقين — صفحة 212
مساهمون: سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني
ص٢١٢