تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ضياء الخافقين — صفحة 191

مساهمون:

ص١٩١
ولذا تكدح هذه الدول آناء الليل وأطراف النهار في إبداع الوسائل التي تسوّغ لها أن تسبق في مضمار فتوحاتها وتدحض بها حجج أكفائها في مباراتها . كل منها تعرض نفسها على الحكومات الشرقية كيداً منها ومكراً ، هذه تقدّم لها دنانيرها ديناً ، وهذه تلتزم مكوسها وضرائبها على ذمتها نقداً ، وتلك تشتري منها حقوق العباد في متجارهم سلفاً ، والأخرى تعهد أن تستخرج لها المعادن وتنشىء الجواد والمسالك وهلم جرا . هذه كلها خدع ، وإنما الغرض منها أن تثبت لنفسها حق استملاكها . وعلى هذه الوتيرة قد جرت سنة الإفرنج في اغتصاب جزائر الغرب وتونس والهند وبلاد ما وراء النهر ومصر وسائر ممالك المسلمين . وكانت الأقطار الإيرانية في أمن من عراقيل هذه الغوائل إلى أن بدا سلطان الجنون والزندقة ، ففتح عليها أبواب المحن والمصائب وجلب الأخطار على الإسلام وحوزته من كل جانب . اتّفق جنون الشاه وزندقة وزيره على بيع حقوق المسلمين وأملاك المؤمنين مجازفة فاغتنمت الأمم الإفرنجية هذه الفرصة لاستحصال الوسائل التي تمكّنها من بثّ سلطانها في أرجاء البلاد ، وكانت الأمة الإنجليزية في مقدمتها . ولما أرغم العلماء أنوف الزنادقة المتجبّرة ، وكفّوا بقوّة الحق يد الجور عن التطاول على أموال المسلمين واغتصابها وزالت غائلة التنباك ، جاش الشاه واختبط فالتزم للشكرة الإنجليزية على نفسه ( غرامة لجنونه وجريمة لزندقة وزيره ) خمسمائة ألف ليرة قبل أن يطالبها بفسخ العقود التي عقدتها مع الشركة الفرنسية لبيع التنباك في البلاد العثمانية ، وفتح بسفهه هذا على البلاد الإيرانية أبواب غرامات لا يمكن لأغنى الدول أن تقوم بها ( كغرامة القرعة وغرامة البانك وغرامة المعادن وغرامة السكك والجواد وغرامة سائر العقود الباطلة التي عقدها مع الإفرنج وهم يطالبونه بها وهو يعجز عن إنفاذها فيضطر جرياً على سنّته السيئة التي سنّها بجنونه أن يقبل غرامتها ) .