وفي كل بلد طائفة من العلماء قد اتّخذهم الناس ملاذاً في الدين والدنيا ، فإذا عزم أحبار العتبات المقدسة ( سيّد الطائفة وشيخ العصابة وفقيه القوم ) على إنقاذ الإسلام من شرّ جنون الشاه وزندقة وزيره ، فليعلموا علماء الأقطار والمتديّنين من أمراء البلاد حتّى يبلّغوا العامّة أوامر السامية وأحكامهم الإلهية . ويعلم كل أن الإسلام حوزته في خطر عظيم ولا يمكن رفع الخطر إلّا يخلع الشاه وتبديل هذه الحكومة القاسية المارقة بدولة عادلة شرعية ، وبعد هذا فليأمروا قُوّاد الجيوش وأمراء العساكر أن يختار واللملك من أبناء الشاه وإخوته عفيفاً ديّناً مقداماً يرضى به رؤساء الدين ولا تنفر منه قلوب المؤمنين ، ويحلف في محضر علماء طهران على مشهد من الناس أن يميل إذاتولي الملك عن صراط الحق في أحكامه ، ولا يحيد عن سبيل الشرع في الجنايات والجنايات وما يتعلق بأحوال الرعية ومعاملاتها ، وأن لا يتصرف في بيت المال ( أعني لخزاته ) إلّابما حكم اللَّه به في كتابة وبينّه أئمة الدين ومضى عليه أحبارُ الأمة ، وأن لا يعقد أمراً ولا يحلّ عقدةً إلّابرأي العلماء العاملين ومشورة العارفين بالسياسة الإلهية من أفاضل الأمة وأبرارها - حتّى يكون ( وهو على كرسي الملك ) خادماً للشريعة المحمدية ومنفّذاً لأحكامها ، فلو صدر الحكم من الأحبار العظام بخلع الشاه على هذا النمط المحكم وبهذه الطريقة السديدة لوقع الخلع لا محالة بلا قلق ولا اختلال ، أمنت البلاد من شرّ الأجانب وصارت حوزةالدين حريزة وكلمة الإسلام عزيزة ، وخلص الناس من إجحاف المارقين واعتساف الضالين ، وبدت طليعة دولة محمّد وآله ( عليهم الصلاة والسلام ) على دعامة القسط والعدل . ولئن فرطوا في هذه الفرضية وتراخوا عن خلعه وفاتتهم هذه الفرصة لوقع الأمر وحلّت الداهية وتبددت حوزه الاسلام شذر مذر ، وليس يومئذ المفر ( هذا هو الحق اليقين ) لقد أغار الكفر والغوابة على محتد الرشد والهداية ، إما الحميّة وإما الدنيّة ، وإنما الفوز بقوّة الإيمان والخيبة في ضعف الجنان ، والقنوط من عون الملك الدّيان ، ونحن نجل العلماء الرّبانيين على هذه الوصمة .
ضياء الخافقين — صفحة 194
مساهمون: سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني
ص١٩٤