هل لنا الشعريعة فرضية أعظم من حفظ حوزة الإسلام ؟ ! أليس العلماء أحق بهذه الفرضية من عامّة الناس ؟ ! هذا هو الوقت - وليس يعده إلّااللوم في الدنيا والسخط في العقبي - هذه المقالات الّتي ألقت البلاد في المهالك في عقود شخصية تنحل بزوال القائم بها فإذا زال الشاه عن كرسي الملك سقطت هذه الحقوق الباطلة كلّها - وإذا كل دولة من الدول إلّا فرنجية الّتي لاحظ لها في هذه الغنيمة أوترى في اقتسامها حيفاً في سهمها تحاج الأخرى بهذه الحجّة ، وتكفّها عن اعتدائها حرصاً على منافعها الخاصّة وحفظاً للموازنة العامّة ، فتبقى البلاد الإيرانية سالمةً من شرّها بلا قتال ولا جدال . فعلى العلماء العظام أن يجمعوا أمرهم على خلع هذا ( الحارية ) صيانة لحوزة الإسلام وحفظا لحقوق الأنام ( ولا علاج سوى الخلع ) . ولولا حظ الإنسان الفظائع الّتي تكبدتها طبقات الأمة الإيرانية من هذه الحكومة القاسية الحزقي وما جلبت عليها من الهلاك والدمار ، وأمعن النظر في العساكر وسوء أحوالها وأن كلا منها يجهد نفسه في الأعمال الشاقّة طول يومه لأن ينال كسرةً لسدّرمقه ، وتأمّل اضطراب أحوال الأمراء وشدّة قلقهم في حياتهم خوفاً من استلاب أموالهم وخشية من إراقة دمائهم ، ثمّ نظر إلى نفوذ كلمة العلماء في النفوس كافة وانقياد العامّة لهم جميعا لحكم بأن خلع الشاه عن كرسيّ جنونه أسهل من خلع النعال . أن البواعث الدينية قد قضت ، وإن الدواعي الدنيوية قد حتمت ، وإن النفوس قد هاجت من مضض الجور ومرارة الضنك واستعدّت فإذا صدع أحبار الأمّة بالحق لخلعه الناس ولا يناطح فيه عنزان ولا تراق في نزعه عن الملك محجمة دم . ولربما يحسب الجاهل أنّ الخلع وإن كان سهلًا لكنّه يوجب الفوضى ويقضي بالهرج والمرج ( لا ولا ) إن الإيرانين لا يعصون للعلماء أمراً خصوصاً لو علموا أن الغرض حفظ حوزة الإسلام وصيانة بلاد المسلمين عن أطماع الأجانب .
ضياء الخافقين — صفحة 193
مساهمون: سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني
ص١٩٣