يعرفوها من قبل وإن توسموا فيها بعض ما ذكروه أنفسهم لذاك الراوي حسبوا أن ما زيد عليها إنما هو زبدة الحق لا تتم القصّة إلا به فلم يعرفوه هم من قبل ، فيأخذون يتناقلون ويزيون . ومن أكثر المؤرخين تطاولًا في الزيادة والنقصان المؤرخون الدينيّون - والعياذ باللَّه - وهم أكثر المؤرخين إضراراً بالحقيقة وأشدهم تطاولًا عليها وأدعى إلى التيه في فيافي الضلال ؛ فقد ظنّوا أن الإله لا يكون إلهاً إلّاإذا خرجت أعماله عن ناموس هو سنّة ، وأن القدّيس لا يكون رجلًا بارّا إلّاإذا فتح عيني الأعمى وطهرّ الأبرص وأحسن الخياطة وأقام الموتى ، وأن رجل اللَّه لا يكون محببا لديه تعالى إلّاإذا دخل جب الأسود وخرج سالماً معافى ، وأن القوي بإذن اللَّه لا يكون ذا عظمة إلّاإذا قتل المئات بسلاح لم يستعمل من قبل ، وأن من رضي اللَّه عن أعماله لا يكون كبيراً في أعين الناس إلّاإذا اشتدّ صوته إلى حدّ دويّ الرّعد أو أن يعبر الأنهار على جبة منسوجة أو يطير في الهواء في مركبة تجرها أفراس نارّية وأن من كان من الآلهة لايسوخ له أن يكون إلهاً الّا إذا كان ذا شكل غريب كأن يكون نصفه سمكة أو ثوراً أو تيساً أو أسداً والنصف الآخر إنساناً ، ومثل هذا كثير من ضروب الاختلاقات الصبيانية والأفكار القديمة التي تضحك الثكلى ، ونحن دائبون في البحث فيها وتطبيقها على مقتضى الناموس الطبيعي ، ونعم التطبيق هو . وإذا نظرنا الآن إلى المحدثات المطوّلة في فن التاريخ وبحثنا في ما يؤاخذون به المؤرخين الأقدمين رأينا أنّ كل أمة من الأمم كانت ذات يد قوية في اختلاق الحوادث التخيلية فاليوناني والرومي والشرقي والغربي كلهم واحد عند البحث وإن يكن كل منهم ذهب في قصصه إلى ما لم يذهب إليه الآخر وتصوّر العظم في صور غير التي تخطر في بال الآخر أم تصغر في عينه ، فما قول مطالعي التاريخ في رواية بليني عند كلامه عن التنانين التي كانت مرصودة على جنائن الهسبريد ، تذب عنها وتدفع الأعداء عن اقتحامها بنفثات من نار متلهبة تخرج من أفواهها كأنها الأتن الموقدة فإذا تباعدت المسافة لديها طارت محلقة بالجوّ وانقضت على فريستها . وقال عنها آخرون إنّها إذا رضيت عن ملك تحولت ذهبا بين يديه أو كشفت له عن مناجمه وهلم جرّا ، ولا قيد للسان الفصيح وكذلك قل عن بروسوس المؤرخ الأرمني
ضياء الخافقين — صفحة 184
مساهمون: سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني
ص١٨٤