تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ضياء الخافقين — صفحة 183

مساهمون:

ص١٨٣

كذَبَة التاريخ

إنّ ما يتجشمه المؤرّخ من المصاعب في إيراد الحوادث وضبط أوقاتها وذكر ذوي اليد فيها والأسباب التي دعت إليها والنتائج التي نجمت عنها لما يفوق حد الوصف ، حتى إنه قلّما يسلم مؤرخ ، مهما بالغ في التدقيق والتنقيب ، من معائب وأغلاط بعضها مهم في نفسه غلطه غير متجاوز إلى ما سواه ومنها ما يكون ذا علاقة مع ما جاوره أو ما تعلق عليه من غير أمور فيفسد أكثرها ويحط من قيمها إلى حدّ أنها تصبح في حيز الإغفال لا يعبأ بها لكثرة ما تعاورها من الاختلاف ، ومثل هذا الشطط كثير لا يحصى وأكثر ما يكون في كتب الأقدمين الذين لم تكن لديهم حجة يستندون إليها في رواياتهم إلّاما جرت به ألسنة المحدثين بالتقليد المتعارف . ومن تطلع إلى كتب التاريخ بعين الناقد رأى أن كل أمة نالت نصيباً من الأكاذيب التي يأتي بها المؤرخون وما من قوم يفاخر آخر بصدق مؤرخيه ، وأما الأسباب الداعية إلى تلك الاختلافات التاريخية فكثيرة ، فمنها أن المؤرخ ليجعل لروايته قدماً راسخة في أذهان سامعيه أو قرائه يذهب إلى ما وراء عالم الإمكان فيأخذ يسرد قصصاً خارقةً الطبيعة لا يمكن حدوثها ولكي يتسنى له ذلك يأتي على ذكر أسماء أماكن وأشخاص تباعد عهدها عن قومه فيأخذ يخبر متشدقاً ومتفيهقاً بما لا يصدقه هو نفسه بادىء بدء ، ثم عندما يرى أنّ القوم قد أساخوا السمع له وعجبوا من حديثه وتلذذوا بما انطورى عليه ، سولت له نفسه الزيادة على ذلك الحديث وتأييده بما يعنّ له من الخرافات والأعجوبات الوهميّة وسامعوه يزدادون عجباً كلما ازداد كذباً . ومنها أن المؤرخ يضطر إلى تلقن قصص بالسماع كما سبق عن الأولين واللسان كثير العثرات والذهن - قَبَّحه اللَّه قائداً - مَيّال إلى الاختلاق والإدهاش فيأخذ يزيد ويكبّر ويعظم الحوادث إلى حدّ أن رواتها الأول إذا سمعوها ظنوها أخباراً جديدة لم