تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ضياء الخافقين — صفحة 161

مساهمون:

ص١٦١
الأمم . وساروا في طريقهم تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتّى ، لا يعلمون لهم مبدأ يحاولون تأييده ولا ترتيباً هم عازمون على حصوله ولا شكلًا للحكومة الّتي يريدون إقامتها على أنفسهم وكلّهم لا يدرون ماذا يفعل بهم . فتارة يطلبون والياً مكان آخر ، وتارةً يرومونها جمهوريّة مركبة من أرباب السلاح قائمة على ذباب السيف ، وطوراً يبغونها حكومة مقيّدة ، وحينا يحعلونها ولاية عثمانية وآخر يريدونها مستقلة . فلم يكن لهم رأي ثابت ولا مقصد معيّن بل كانت أعمالهم وأفكار هم بنت الساعة وربيبة الدقيقة . ولم يكونوا يعرفون للحرية الّتي يصيحون بطلها تحديداً ولا يعلمون لها تكييفا وإنّما كان بينهم فئة قليلة من المصريين ، قد أحسنت تربيتهم وعلموا ماهية الحرية ومادة الحقوق الوطنية وتحلّوا بالعلوم والفضائل ، وحلب الدّهر أشطر هم وصقل التهذيب أفكار هم بما كانوا يتلقونه ويدرسونه من ذلك على إمام أستاذ فاضل أقام بينهم مدّة من الزمن كان مشربه رفع الظلم عن المسلمين وبسط العدل فيهم وإحياء السنُنَّة وإماتة البدعة وإعادة المجد القديم للإسلام ولم يزل مشرّداً في البلاد مطرداً لا ينثي عن عزمه ورأيه ، فانتهزوا إلى تلك الحادثة هم ومن استفاد منهم واختلط بهم لنوال الحقوق الوطنية وانضموا إلى تلكه الحركة ولكن لم يكن ليتيسّر لهم انتصار رأيهم وتعزيز مبدئهم في لجج ذلك التهوّر وتيّار السطوة ، فانتصرت دولة الأحلام وفازت صولة الخرافات والأوهام ورفع السيف فوق الأعناق فخضعت الرقاب وأسلست في القياد وذلَّت النفوس والْتوت الألسن ، فكان حال المصريين أنهم يطلبون الحرّية بواسطة الاستبداد ويحاولون نوال الرحمة من طريق القسوة كمن يحاول استخراج الأري من الحنظل والشهد من العلقم . وكان شأن تلك الفئة في تورطها كشأن كانون الروماني ، وهو فيلسوف وطني حرّ كان أوقف حياته على نوال حرّية وطنه وكانت انقسمت الأمة الرومانية إلى قسمين قسم يحاول قلب الحكومة إلى ملكية تحت قيادة قيصر ، وقسم يريد بقاءها جمهورية تحت رياسة بومبيه فانضم كانون إلى القسم الأخير مع علمه بأنّ بومبيه وأشياعه لهم أغراض خصوصية وليس يُرجى منهم نوال الحرية التي يطلبها لبلاده إن هم انتصروا فخرج مع ذلك في حزبهم متسلحاً للحرب فقال له بعض أصحابه : كيف حالك ورأيك في
ضياء الخافقين — صفحة 161 | سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني